أعيان الشيعة - الأمين، السيد محسن - الصفحة ٧٣
يشربون الخمر و لا يعملون الميسر و لا الأنصاب و لا الأزلام و لا يأكلون الربا و لا يئدون البنات و يفعلون جميع شرائط الإسلام حتى صلاة التراويح و لا يصدر منهم الا أمرا واحد و هو التشفع بذوي المكانة عند الله و جعلهم وسائط بينهم و بينه كالملائكة و عيسى فلذلك قاتلهم النبي (ص) و حكم بشركهم و كفرهم أ ليس كذلك أيها الاخوان أ لم يقل الله تعالى: (و ما كان صلاتهم عند البيت الا مكاء و تصدية) أ لم يكونوا يكرهون فتياتهم على البغاء و هن يردن التحصن أ لم يكونوا يفعلون جميع الموبقات و المنكرات و أفعال الجاهلية فكيف يسوغ لمحمد بن عبد الوهاب أن يقول ان رسول الله (ص) لم يقاتلهم الا على تشفعهم إلى الله بالملائكة و الأنبياء و الصالحين.
(الثاني) ان حصره شرك و كفر من بعث إليهم النبي (ص) في جعلهم بعض المخلوقات وسائط و شفعاء عند الله جهل أو تمويه (أما مشركو قريش) فإنهم و ان اعتقدوا ان الرازق الخالق المحيي المميت المدبر الأمر المالك ما في السماوات و الأرض هو الله كما دلت عليه الآيات التي ذكرها الا أنه لا شيء يدلنا على أنهم لا يعتقدون في الأصنام و الأوثان و معبوداتهم من الجن و الإنس و الملائكة انه لا تأثير لها في الكون و ان التأثير وحده لله تعالى و هي شافعة فقط إذ يجوز أن يعتقدوا ان لها تأثيرا بنفسها بغير ما في الآيات المستشهد بها فتشفي المرضى و تنصر على الأعداء و تكشف الضر و غير ذلك و انها تشفع عند الله حتما و لا يرد شفاعتها أو ان الله تعالى جعل لها قسطا من التأثير أو كله إليها بل ظاهر الآيات هو ذلك مثل قوله تعالى: (قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله فلا يملكون كشف الضر عنكم و لا تحويلا) بل ظاهر قوله تعالى: (و إذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا و ما الرحمن أ نسجد لما تأمرنا و زادهم نفورا) انهم كانوا لا يسجدون لغير الأصنام و لا يعتقدون آلها غيرها و ظاهر قوله تعالى حكاية عن أهل جهنم: (قالوا و هم فيها يختصمون تالله ان كنا لفي ضلال مبين إذ نسويكم برب العالمين) اعتقادهم انها مساوية لرب العالمين و ان لم يكن من جميع الوجوه بل يخرج عنه الأمور المذكورة في الآيات المستشهد بها في كلام ابن عبد الوهاب و ذلك كاف في الشرك و الكفر و ذلك أيضا ظاهر جميع الآيات الدالة على اتخاذهم آلهة من دون الله و شركاء لله و نحو ذلك. مثل:
(ان كان ليضلنا عن آلهتنا. أ إنا لتاركوا آلهتنا. أ إفكا آلهة دون الله تريدون.
أ جعل الآلهة إلها واحدا. و يوم يناديهم أين شركائي الذين كنتم تزعمون.
و قالوا آلهتنا خير أم هو. أ جئتنا لتأفكنا عن آلهتنا. و قالوا لا تذرن آلهتكم. و ما نحن بتاركي آلهتنا. فما أغنت عنهم آلهتهم التي يدعون من دون الله. الذين يجعلون مع الله إلها آخر. قل لو كان معه آلهة كما يقولون. و اتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزا. و اتخذوا من دونه آلهة لا يخلقون شيئا و هم يخلقون و لا يملكون لأنفسهم نفعا و لا ضرا و لا يملكون موتا و لا حياة و لا نشورا) إلى غير ذلك.
و كيف يمكن حصر شركهم و كفرهم في جعلهم بعض المخلوقات وسائط و شفعاء عند الله و هم يكذبون رسول الله (ص) و يجعلونه ساحرا و ينكرون ما جاء به من عند ربه من الأحكام و الشرائع مع ظهور المعجزات على يديه و يتمسكون بدين الجاهلية كما مر أ فلا يكفي هذا في كفرهم و شركهم و ما ذا ينفعهم الإقرار بوجوده تعالى و العبادة و الحج و الصدقة و ذكر الله ان سلم صدور ذلك منهم و هل ينفي ذلك عنهم الكفر الذي أوضحناه و يحصر شركهم في تشفعهم بالصالحين هيهات.
و كيف يمكن حصر كفرهم في ذلك و قد بدلوا دين الله تعالى الذي جاءهم به إبراهيم ع فأحدثوا البحيرة و السائبة و الوصيلة و الحامي و النسيء «١» و غير ذلك من مبتدعاتهم و مخترعاتهم و هذا أيضا كاف في كفرهم مع أنهم قد عبدوا الأصنام و الأوثان و الملائكة و جعلوهم شركاء لله تعالى و عبادتهم لهم مشاهدة معلومة و لم تكن تلك العبادة مجرد التشفع و التوسل بمن جعل الله له الشفاعة و الوسيلة و ما يجري مجرى ذلك كما موه به ابن عبد الوهاب (أما عبادتهم للأصنام و الأوثان) فإنهم عمدوا إلى أصنام من حجر أو نحاس أو خشب أو غيرها على صور قوم صالحين متوهمة أو غيرهم عملوها بأيديهم و إلى أشجار فعبدوها من دون الله و سجدوا لها و نحروا و ذبحوا لها و أهلوا بذبائحهم لها و ذكروا اسماءها عليها دون اسم الله و طلوها بدمائها كما قال قائلهم:
اما و دماء مائرات تخالها على قنة العزى و بالنسر عند ما
و طلبوا منها كل ما يطلب من الله و أعرضوا عن عبادة الله فكانوا يقولون لا طاقة لنا على عبادة الله فنحن نعبدها لتقربنا إلى الله و هذا أيضا صريح في ان عبادتهم لها غير طلب الشفاعة منها و تشفعوا بها و خالفوا امر الله و أنبيائه في نهيهم عن عبادتهم و طلب شيء منها عنادا و عتوا و خالفوا مقتضى عقولهم الحاكمة لو رجعوا إليها بأنها جماد لا تضر و لا تنفع و لا تعقل و لا تسمع و لا تقرب و لا تشفع و لو كانت على صورة نبي أو صالح فان الشافع هو النبي أو الصالح لا صورته الموهومة و لا تدفع عن أنفسها بول الثعالب عليها و لا تروث الدواب فوقها فقد كان لبعضهم صنم فجاء ثعلب فبال عليه فقال قائلهم:
لرب يبول الثعلبان برأسه لقد ذل من بالت عليه الثعالب
و منهم من عمل صنما من تمر فسجدوا له أول النهار و عبدوه فلما كان آخر النهار جاعوا فأكلوه. و كانوا يعينون أشياء من حرث و نتاج لله و أشياء منها لآلهتهم فإذا زكا ما جعلوه لله رجعوا فجعلوه للالهة و إذا زكا ما جعلوه للأصنام تركوه و ذلك قوله تعالى: (و جعلوا لله مما ذرأ من الحرث و الأنعام نصيبا فقالوا هذا لله بزعمهم و هذا لشركائنا فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله و ما كان لله فهو يصل إلى شركائهم ساء ما يحكمون) و لم يفعل أحد من المسلمين شيئا من ذلك مع نبي و لا ولي و لا قبر و لا غيره و انما تشفع المسلمون بمن جعله الله شافعا و توسلوا بمن جعل له الوسيلة و ما التشفع سوى سؤال الدعاء الذي لا ينكره الوهابية و كذا الاستغاثة و ما جرى مجراها لا تخرج عن سؤال الدعاء الذي لا ينكره الوهابية و كذا الاستغاثة و ما جرى مجراها لا تخرج عن سؤال الدعاء و أهدوا ثواب الصدقة بالمذبوح إلى النبي أو الولي الذي ثبت جواز إهداء الثواب اليه و لم يذكروا اسمه عليه بل اسم الله تعالى كما سياتي تفصيل ذلك كله في الفصول المختصة بذلك. فهذه الاعتقادات و الأعمال و التكذيب للرسل هي التي قاتلهم النبي (ص) عليها و دعاهم إلى تركها لا على مجرد التشفع بنبي أو صالح و التوسل به إلى الله تعالى (و اما عبادتهم للملائكة) فقد