أعيان الشيعة - الأمين، السيد محسن - الصفحة ٦٦
و اما إبداع المسلمين في الدين فباحداثهم أشياء فيه لم تكن على عهد النبي (ص) و الصحابة (و قالوا) البدعة و هي ما حدثت بعد القرون الثلاثة (اي قرن النبي (ص) و ما بعده) مذمومة مطلقا ذكره حفيد ابن عبد الوهاب في احدى رسائل الهدية السنية «١» و ذلك مثل المحاريب الأربعة في المساجد للائمة الأربعة و جعل اربعة أئمة للصلاة من أهل المذاهب الأربعة و الترحيم و التذكير الذي يفعل في المآذن ليلة الجمعة و يومها و ليلة الاثنين و بين الأذان و الإقامة و قبل الفجر «٢» و رفع الصوت في مواضع الأذان كالمنائر بغير الأذان من قرآن أو صلاة على النبي (ص) أو ذكر بعد أذان أو في ليلة جمعة أو رمضان أو العيدين و قراءة حديث أبي هريرة قبل خطبة الجمعة و الاجتماع على قراءة سيرة المولد الشريف النبوي و قراءة المولد النبوي بقصائد بألحان و تخلط بالصلاة عليه و الأذكار و القراءة و تكون بعد التراويح و التظاهر باتخاذ المسابح و الاجتماع على رواتب المشايخ برفع الصوت و قراءة الفواتح كراتب السمان و الحداد و غيرهما و قراءة الفواتح للمشايخ بعد الصلوات الخمس و كصلاة الخمسة فروض بعد آخر جمعة من رمضان و رفع الصوت بالذكر عند حمل الميت و عند رش القبر بالماء و كاتخاذ الطرائق و تعليق الأسلحة و البيارق في التكايا و الزوايا و عمل الذكر المتعارف و نقر الدفوف و ما يتخلل ذلك من الشهيق و النهيق و النعيق و تكرار لفظ الجلالة (الله الله) و غير ذلك و أحرق الوهابية دلائل الخيرات بدعوى اشتمالها على البدعة أو الشرك و في خلاصة الكلام «٣» ان محمد بن عبد الوهاب كان ينهى عن الإتيان بالصلاة على النبي (ص) ليلة الجمعة و عن الجهر بها على المنائر و انه قتل رجلا أعمى كان مؤذنا صالحا ذا صوت حسن نهاه عن الصلاة على النبي (ص) في المنارة بعد الأذان فلم ينته فأمر بقتله فقتل ثم قال ان الربابة في بيت الخاطئة أقل إثما ممن ينادي بالصلاة على النبي (ص) في المنائر انتهى و ذلك لان الربابة في بيت الخاطئة لا يتجاوز إثمها صاحبها اما الصلاة على النبي (ص) بتلك الكيفية فهي بزعمه بدعة فيتعدى إثمها لكل من يقتدي بفاعلها (و نقول) البدعة كما مر في المقدمات إدخال ما ليس من الدين في الدين كاباحة محرم أو تحريم مباح أو إيجاب ما ليس بواجب أو ندبه أو نحو ذلك سواء كانت في القرون الثلاثة أو بعدها و تخصيصها بما بعد القرون الثلاثة لا وجه له و لو سلمنا حديث خير القرون قرني إلخ فان أهل القرون الثلاثة غير معصومين بالاتفاق و تقسيم بعضهم لها إلى حسنة و قبيحة أو إلى خمسة أقسام ليس بصحيح بل لا تكون الا قبيحة و لا بدعة فيما فهم من اطلاق أدلة الشرع أو عمومها أو فحواها أو نحو ذلك و ان لم يكن موجودا في عصر النبي (ص) فتقبيل يد العالم أو الصالح أو الأبوين بقصد التعظيم و الاحترام تقربا اليه تعالى جائز و راجح و ان لم يكن ذلك في عصره (ص) و لا ورد فيه نص خاص فإنه بعد ان صار نوعا من التعظيم عادة و فهم من أدلة الشرع رجحان تعظيم المؤمن بوجه العموم يكون جائزا و راجحا و كذا القيام عند ذكر ولادة النبي (ص) أو ذكر اسم رجل عظمه الشرع هو من هذا القبيل ما لم يكن التعظيم بفعل حرمه الشرع كالغناء و آلات اللهو و الكذب في المدح و نحو ذلك. كما انه لا بدعة فيما فعل لا بقصد الخصوصية أو العبادة (و منه) يعلم عدم صحة الحكم بالبدعة في كل ما ذكروه و صحته في البعض فرفع الصوت بالأشياء المذكورة لا مانع منه لعموم أدلتها أو إطلاقها و عدم تقييدها برفع الصوت و لا بخفضه خصوصا إذا كان في رفع الصوت فائدة كالاعلان بذكر الله و اتعاظ السامع و نحو ذلك نعم لو فعلت بقصد الخصوصية و الورود كانت بدعة (و دعوى) ان السامع يتوهمها كذلك لا تسمع لأن السامع عليه الفحص و سؤال أهل المعرفة و كذا التذكير و الترحيم يشمله عموم ذكر الله و دعائه و الترحم على المؤمنين و الصحابة و نحو ذلك و عد ذلك بدعة جمود و قلة فقه فلو ان رجلا اصطلح على ان يصلي على النبي (ص) عند طلوع الشمس عشر مرات أو ان يكبر بعد العصر سبعين مرة مثلا أو نحو ذلك و لم يقصد ان هذا مأمور به بخصوصه لم يكن مبدعا في الدين بعد دلالة الادلة الشرعية بعمومها أو إطلاقها على استحباب الصلاة على النبي (ص) في اي وقت كان و استحباب ذكر الله بالتكبير و غيره و لو فرضنا انه يلزم فعل العبادات بجميع الخصوصيات التي كان يفعلها النبي (ص) بها و لا يجوز فعلها بدونها بل تكون بدعة لكانت الصلاة بالطربوش أو الشال الهندي أو البنطلون أو العقال و المنديل بدعة و لكانت الخطبة في الجمعة و العيدين بدون قلنسوة بدعة إذا فرض انه (ص) كان يفعلها متقلنسا و بقلنسوة بيضاء بدعة إذا فرض انه كان يفعلها بقلنسوة حمراء مثلا و هكذا و هذا لا يقول به من عنده أدنى معرفة بادلة الشرع و كأنهم منعوا الترحيم الذي يقال فيه يا ارحم الراحمين ارحمنا بجاه فلان لأن ذلك عندهم من التوسل الموجب للكفر و ستعرف فساده و الالتزام بقراءة حديث فيه فائدة امام خطبة الجمعة لا ضرر فيه ان لم يفعل بقصد الورود و الاجتماع على قراءة سيرة المولد الشريف فيه تعظيم للنبي (ص) و استبشار بخبر ولادته التي كانت سببا لسعادتنا الأبدية فيشمله عموم ما دل على رجحان ذلك و قراءة المولد مع قصائد و صلاة عليه لا مانع منها ان لم تشتمل على الغناء المحرم لعموم الأدلة و التظاهر بحمل المسابح لا محذور فيه لما فيه من الفوائد من عد الأذكار الموظفة بعدد خاص فتكون كما ورد من العد على النوى الذي أشار اليه صاحب المنار في الحاشية (و قوله) في الحاشية اي اتخاذها شعارا يوهم انه مطلوب شرعا مردود بأنه لا يوهم ذلك عند ذي المعرفة و غيره لا يضرنا وهمه و لا يلزمنا دفعه و لا يصير فعلنا بدعة بسببه و قراءة الفواتح للمشايخ بعد الصلوات يراد بها إهداء الثواب إليهم فيعمها ما دل على جواز إهداء الثواب للميت و اختيار أوقات الصلاة لأنها أفضل فيزداد الثواب و من ذلك تعلم ان قوله فالربابة إلخ مع ما فيه من سوء الأدب العظيم مبني على ما هو فاسد من كون رفع الصوت في المنارة بالصلاة بدعة و قد عرفت فساده
و ان الصلاة عليه (ص) مستحبة مطلقا مع رفع الصوت و بدونه على المنارة و غيرها فيجوز مطلقا الا ان يقصد وروده في الشرع بهذه الكيفية و هذا لا يقصده أحد (و الحاصل) ان ما ثبت استحبابه على وجه العموم إذا التزم بكيفية منه لا من باب الخصوصية لا يكون ذلك بدعة اما المحاريب الأربعة و الأئمة الأربعة للصلوات الخمس فقد بينا في مقام آخر من هذا الكتاب انه لو كان بدعة لكانت المذاهب الأربعة بدعة و مع كونها سنة فلا بد ان يكون سنة اما اتخاذ الطرائق و ما يتبعها مما عددوه إلى الشهيق و النهيق و النعيق و تكرار الجلالة الذي يشبه في كثير من حالاته نبح الكلاب فنحن نوافقهم في انه من البدع القبيحة و من تسويلات الشيطان.
ثم قال حفيد ابن عبد الوهاب في احدى رسائل الهدية السنية بعد كلامه السابق و اما ما لا يتخذ دينا و لا قربة كالقهوة و قصائد الغزل و مدح الملوك فلا ننهى عنه و يحل كل لعب مباح لأن النبي (ص) أقر الحبشة على اللعب يوم العيد و يحل الرجز و الحداء و طبل الحرب و دف العرس و قد قال (ص) بعثت بالحنيفية السمحة لتعلم يهود ان في ديننا فسحة انتهى.