أعيان الشيعة - الأمين، السيد محسن - الصفحة ٦٢
آخر الرسالة الخامسة «١» من رسائل الهدية السنية مذهبنا مذهب الامام احمد بن حنبل و لا ندعي الاجتهاد و إذا بانت لنا سنة صحيحة عن رسول الله (ص) عملنا بها و لا نقدم عليها قول أحد كائنا من كان انتهى. و هذا هو الاجتهاد الذي أنكره في أول كلامه و قال به في آخره. و ما هي السنة الصحيحة التي تبين له هل يشافهه بها الرسول (ص) أو تكون متواترة خفيت على جميع أئمة المذاهب الأربعة و غيرهم و بانت له هذا مستحيل عادة أو هي خبر ظني الدلالة و السند أو السند فقط و الله تعالى قد نهى عن العمل بالظن في كتابه و ذم متبعه فهل يكون العمل بذلك الخبر الظني الا بالاجتهاد الذي أنكره (و قال أبوه) عبد اللطيف في احدى رسائل الهدية السنية «٢» ان محمد بن عبد الوهاب لا يرى ترك السنن و الأخبار النبوية لرأي فقيه و مذهب عالم خالف ذلك باجتهاد (إلى ان قال) نعم عند الضرورة و عدم الأهلية و المعرفة بالسنن و الأخبار و قواعد الاستنباط يصار إلى التقليد و لا يرى إيجاب ما قاله المجتهد الا بدليل من الكتاب و السنة خلافا لغلاة المقلدين.
و قال عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب في الرسالة الثانية من رسائل الهدية السنية «٣» و لا نستحق مرتبة الاجتهاد المطلق و لا أحد منا يدعيها الا انه إذا صح لنا نص جلي من كتاب أو سنة غير منسوخ و لا مخصوص و لا معارض باقوى منه و قال به أحد الأئمة الأربعة أخذنا به و تركنا المذهب كارث الجد و الاخوة فنقدم الجد بالإرث و ان خالفه مذهب الحنابلة (إلى ان قال) و لا نعترض على أحد في مذهبه الا إذا أطلعنا على نص جلي مخالف لأحد الأئمة و كانت المسألة مما يحصل بها شعائر ظاهرة كامام الصلاة فنأمر الحنفي و المالكي مثلا بالطمانينة في الاعتدال و الجلوس بين السجدتين لوضوح ذلك بخلاف جهر الامام الشافعي بالبسملة فلا نأمره بالاسرار و لا مانع من الاجتهاد في بعض المسائل دون بعض و قد اختار جمع من أئمة المذاهب الأربعة ما يخالف مذهب مقلدهم (انتهى) و هذا الأخير يخالف ما ذكره محمد بن عبد اللطيف و ما حكاه أبوه عن محمد بن عبد الوهاب فهذا يشترط في جواز الأخذ بالنص من الكتاب و السنة ان يقول به أحد الأئمة الأربعة و محمد يقول لا نقدم على السنة قول أحد كائنا من كان و ابن عبد الوهاب لا يرى إيجاب ما قاله المجتهد الا بدليل (ثم) إلزام صاحب المذهب بخلاف مذهبه فيما فيه شعائر ظاهرة خطا فإنه ان كان معذورا لم يجب إلزامه بل لم يجز و ان لم يكن معذورا وجب إلزامه سواء كان فيه شعائر ظاهرة أو لا.
اعتقاد الوهابية و قدوتهم ابن تيمية في الله تعالى و صفاته
اعلم ان الوهابية و مؤسس دعوتهم محمد بن عبد الوهاب و بآذر بذورها احمد بن تيمية و تلميذه ابن القيم و اتباعهم ادعوا أنهم موحدون و انهم باعتقاداتهم التي خالفوا بها جميع المسلمين حموا جناب التوحيد عن ان يتطرق اليه شيء من الشرك. و ادعى الوهابيون انهم هم الموحدون و غيرهم من جميع المسلمين مشركون كما سياتي و لكن الحقيقة ان ابن تيمية و ابن عبد الوهاب و اتباعهما قد أباحوا حمى التوحيد و هتكوا ستوره و خرقوا حجابه و نسبوا إلى الله تعالى ما لا يليق بقدس جلاله تقدس و تعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا. فأثبتوا لله تعالى جهة الفوق و الاستواء على العرش الذي هو فوق السماوات و الأرض و النزول إلى سماء الدنيا و المجيء و القرب و غير ذلك بمعانيها الحقيقية و اثبتوا له تعالى الوجه و اليدين اليد اليمنى و اليد الشمال و الأصابع و الكف و العينين كلها بمعانيها الحقيقية من دون تأويل و هو تجسيم صريح.
و حملوا ألفاظ الصفات على معانيها الحقيقية فأثبتوا لله تعالى المحبة و الرحمة و الرضا و الغضب و غير ذلك بمعانيها الحقيقية من غير تأويل و انه تعالى يتكلم بحرف و صوت فجعلوا الله تعالى محلا للحوادث و هو يستلزم الحدوث كما بين في محله من علم الكلام.
اما ابن تيمية فقال بالجهة و التجسيم و الاستواء على العرش حقيقة و التكلم بحرف و صوت. و هو أول من زقا بهذا القول و صنف فيه رسائل مستقلة كالعقيدة الحموية و الواسطية و غيرها و اقتفاه في ذلك تلميذاه ابن القيم الجوزية و ابن عبد الهادي و اتباعهم و لذلك حكم علماء عصره بضلاله و كفره و ألزموا السلطان بقتله أو حبسه فاخذ إلى مصر و نوظر فحكموا بحبسه فحبس و ذهبت نفسه محبوسا بعد ما أظهر التوبة ثم نكث. و نحن ننقل ما حكوه عنه في ذلك و ما قالوه في حقه لتعلم ما هي قيمة ابن تيمية عند العلماء.
قال احمد بن حجر الهيتمي المكي الشافعي صاحب الصواعق في كتابه الجوهر المنظم في زيارة القبر المكرم في جملة كلامه الآتي في فصل الزيارة ان ابن تيمية تجاوز إلى الجناب المقدس و خرق سياج عظمته بما أظهره للعامة على المنابر من دعوى الجهة و التجسيم إلخ.
و قال ابن حجر أيضا في الدرر الكامنة على ما حكي: ان الناس افترقت في ابن تيمية (فمنهم) من نسبه إلى التجسيم لما ذكره في العقيدة الحموية و الواسطية و غيرهما من ذلك بقوله ان اليد و القدم و الساق و الوجه صفات حقيقية لله و انه مستو على العرش بذاته فقيل له يلزم من ذلك التحيز و الانقسام فقال انا لا أسلم أن التحيز و الانقسام من خواص الأجسام فألزم بأنه يقول بالتحيز في ذات الله (و منهم) من ينسبه إلى الزندقة لقوله ان النبي (ص) لا يستغاث به و ان في ذلك تنقيصا و منعا من تعظم رسول الله (ص) و كان أشد الناس عليه في ذلك النور البكري فإنه لما عقد له المجلس بسبب ذلك قال بعض الحاضرين يعزر فقال البكري لا معنى لهذا القول فإنه ان كان تنقيصا يقتل و ان لم يكن تنقيصا لا يعزر (و منهم) من ينسبه إلى النفاق لقوله في علي انه كان مخذولا حيث ما توجه و انه حاول الخلافة مرارا فلم ينلها و انما قاتل للرئاسة لا للديانة و انه كان يحب الرئاسة و ان عثمان كان يحب المال و لقوله أبو بكر أسلم شيخا يدري ما يقول و علي أسلم صبيا و الصبي لا يصح إسلامه على قوله و لكلامه في قصة خطبة بنت أبي جهل و ما نسبه من الثناء على قصة أبي العاص بن الربيع و ما يؤخذ من مفهومها فإنه شنع في ذلك فالزموه بالنفاق لقوله (ص) لا يبغضك الا منافق. و نسبه قوم إلى انه يسعى في الامامة الكبرى فإنه كان يلهج بذكر ابن تومرت و يطريه و كان ذلك مولدا لطول سجنه و له وقائع شهيرة و كان إذا حوقق و الزم يقول لم أرد هذا انما أردت كذا فيذكر احتمالا بعيدا انتهى.
و عن منتهى المقال في شرح حديث لا تشد الرحال للمفتي صدر الدين انه قال فيه: قال الشيخ الامام الحبر الهمام سند المحدثين الشيخ محمد البرلسي في كتابه اتحاف أهل العرفان برؤية الأنبياء و الملائكة و الجان و قد