أعيان الشيعة - الأمين، السيد محسن - الصفحة ٥٧
الحكم كان كذلك بعد الحكم و هذا من البديهيات الأولية التي لا يشك فيها من عنده أقل إلمام بالعلوم مثلا إذا حرم الشرع شتم زيد أو أوجبه و كان الشتم في نفسه مع قطع النظر عن الحكم بتحريمه أو وجوبه اهانة لزيد لا يصير بعد التحريم أو الوجوب احتراما له و كذا لو أوجب إضافة زيد أو حرمها و كانت إضافته في نفسها إكراما له لا تصير بعد إيجابها أو تحريمها اهانة له و إذا كان تعظيم المخلوق و احترامه و التبرك به و القيام في خدمته بغاية الذل و الخضوع و ما أشبه ذلك عبادة له و شركا بالله تعالى فإذا أوجب الله تعالى تعظيم المخلوق و احترامه و التبرك به و اطاعته و الذل و الخضوع له و نحو ذلك لم يخرجه هذا الوجوب عن كونه عبادة و شركا بل يكون الله تعالى قد أوجب الشرك و عبادة المخلوق لما عرفت من ان الحكم لا يغير الموضوع (إذا عرفت هذا) فاعلم ان وجوب تعظيم المخلوق من جماد و إنسان و احترامه و التبرك به و اطاعته و القيام في خدمته بغاية الذل و الخضوع و ما ينتظم في هذا السلك ثابت في الشرع بلا شك و لا ريب فقد امر الله الملائكة بالسجود لآدم و يعقوب و أولاده بالسجود ليوسف و الولد بتعظيم الوالدين و خفض جناح الذل لهما و امر باطاعة الرسول و اولي الأمر منا و الائتمار بامره و الانتهاء عن نهيه و عدم رفع أصواتنا فوق صوته و امر بتعظيم المساجد و الكعبة و الطواف بها و تعظيم المقام و الحجر و الحجر الأسود و بئر زمزم و التبرك بمائه و تعظيم الحرم إلى غير ذلك مما ورد في الشرع فلا بد حينئذ من التزام أحد أمرين اما القول بأنه ليس كل تعظيم عبادة و شركا أو القول بان الله أمر بالشرك و عبادة غيره و لما كان الشرك قبيحا منهيا عنه موجبا للخلود في نار جهنم يغفر الله ما دونه من الذنوب و لا يغفره بنص القرآن الكريم لم يمكن ان يأمر الله به فتعين القول بأنه ليس كل تعظيم عبادة موجبة للشرك.
السابع عشر
في حياة النبي (ص) بعد موته و انه يسمع الكلام و يرد الجواب كما في حياته غير ان الله تعالى حبس سمع الناس عن سماعه الا قليلا من الخواص و لا بعد في ذلك بعد الإقرار بعموم قدرة الله تعالى و لا ينافي ذلك اطلاق اسم الموت عليه و ان الحياة انما هي وقت البعث لإمكان الجمع بارادة ارتباط الروح بهذا الجسد بنوع من الارتباط في البرزخ و عودها اليه عند البعث على الكيفية التي كانت قبل الموت مع ما ورد من عدم فناء أجساد الأنبياء (و الحاصل) ان ذلك امر ممكن فإذا ورد النص به وجب قبوله (و قد اعترف الوهابية) بحياته (ص) ففي الرسالة الثانية من رسائل الهدية السنية: «١» و نعتقد انه (ص) حي في قبره حياة برزخية أبلغ من حياة الشهداء المنصوص عليها في التنزيل إذ هو أفضل منهم بلا ريب و انه يسمع سلام المسلم عليه و مثله في الرسالة الخامسة «٢» الا انه زاد و اما الحياة التي تقتضي العلم و التصرف و الحركة في التدبير فهي منفية عنه انتهى و نفيه العلم بعد تسليم الحياة و سماع الكلام تمحل بل تناقض (و اعتذار) صاحب المنار عنه في الحاشية بان المنفي العلم بشئون أهل الدنيا لا العلم بالله و نحوه تحكم و تمحل في تمحل فالعلم لازم حياته (ص) و التفريق لا دليل عليه (و من) النصوص الواردة في حياته (ص) و سماعه الكلام ما ذكره السمهودي في وفاء الوفا «٣» قال روى أبو داود بسند صحيح كما قال السبكي عنه (ص) ما من أحد يسلم علي الا رد الله روحي حتى أرد عليه السلام (قال) و قد صدر به البيهقي باب زيارة قبر النبي (ص) و اعتمد عليه جماعة من الأئمة فيها منهم الامام احمد قال السبكي و هو اعتماد صحيح لتضمنه فضيلة رد النبي (ص) و هي عظيمة (قال) و قال أبو عبد الرحمن المقري من أكابر شيوخ البخاري هذا في الزيارة إذا زارني فسلم علي رد الله علي روحي حتى أرد عليه و اما حديث اتاني ملك فقال يا محمد أ ما يرضيك ان لا يصلي عليك أحد من أمتك الا صليت عليه عشرا و لا يسلم عليك الا سلمت عليه عشرا فالظاهر انه في السلام المقصود به الدعاء كقول: ص (قال) و ذكر ابن قدامة الحديث من رواية احمد بلفظ ما من أحد يسلم علي عند قبري (و روى) البنائي و إسماعيل القاضي بسند صحيح عنه (ص) مرفوعا ان لله ملائكة سياحين في الأرض يبلغونني من امتي السلام و جاءت أحاديث اخرى في عرض الملك لصلاة الأمة و سلامها على النبي (ص) «٤» هذا في الغائب اما في الحاضر عند القبر فروى جماعة عن أبي هريرة عنه (ص) من صلى علي عند قبري سمعته و من صلى [عللى] علي نائبا بلغته و عن أبي هريرة عنه (ص) من صلى علي عند قبري وكل الله بها ملكا يبلغني و كفي امر آخرته و كنت له شهيدا و شفيعا (و في رواية) ما من عبد يصلي علي عند قبري الا وكل الله بها ملكا يبلغني و كفي امر آخرته و دنياه و كنت له شهيدا و شفيعا يوم القيامة (قال) و روى ابن النجار عن إبراهيم بن بشار قال حججت في بعض السنين [فجئتت] فجئت المدينة فسلمت عليه فسمعت من داخل الحجرة و عليك السلام (قال) و نقل مثل ذلك عن جماعة من الأولياء و الصالحين و قد قال (ص) علمي بعد وفاتي كعلمي في حياتي رواه الحافظ المنذري (قال) و روى البزاز برجال الصحيح ان لله ملائكة سياحين يبلغوني عن أمتي (و قال ص) حياتي خير لكم تحدثون و يحدث لكم و وفاتي خير لكم تعرض علي أعمالكم فما رأيت من خير حمدت الله عليه و ما رأيت من شر استغفرت لكم (أقول) قال القسطلاني في إرشاد الساري شرح صحيح البخاري «٥» ما لفظه. و في حديث ابن مسعود عن البزاز بإسناد جيد رفعه حياتي خير لكم و وفاتي خير لكم تعرض علي أعمالكم فما رأيت من خير حمدت الله عليه و ما رأيت من شر استغفرت لكم انتهى إلى ان قال السمهودي و قصة سعيد بن المسيب في سماعه الأذان و الإقامة من القبر الشريف أيام الحرة مشهورة «٦» ثم ذكر الحديث الذي فيه قول خالد بن الوليد بن الحكم بن العاص على منبر رسول الله (ص) يوم جمعة لقد استعمل رسول الله (ص) علي بن أبي طالب و هو يعلم انه خائن لكن شفعت فيه ابنته فاطمة و خروج كف من قبر رسول الله (ص) و هو يقول كذبت يا عدو الله كذبت يا كافر مرارا (الحديث) انتهى وفاء الوفا.