أعيان الشيعة - الأمين، السيد محسن - الصفحة ٣٩
عشر ألف ريال و رتب لهم العلوفات و المؤن و نقودا في كل شهر فادخلوهم المدينة المنورة فاخرجوا من فيها من الوهابية و استولوا على قلعتها و نزل متولي القلعة من قبل الوهابية و اسمه مضيان أو ابن مضيان على حكمهم فأرسلوه إلى مصر فأرسله محمد علي إلى اسلامبول فقتلوه و علقوه على باب السراية و جاء جماعة إلى مصر معهم مفاتيح المدينة فزينت مصر و أرسل محمد علي المفاتيح إلى اسلامبول و أرسل البشائر إلى كافة بلاد الإسلام (و حج) سعود في هذا العام ثم رجع إلى بلاده مسرعا و كاتب الشريف العساكر الذين في ينبع فحضرت منهم طائفة إلى جدة من طريق البحر في المحرم سنة ١٢٢٨ و ملكوها بدون قتال و كان في قلعة مكة جماعة من الوهابية يسمونهم المهاجرين فلما بلغهم وصول العساكر إلى جدة هربوا ليلا و توجه بعض عسكر جدة إلى مكة فأكرمهم الشريف و لما بلغ ذلك وهابية الطائف استولى عليهم الرعب فهربوا مع أميرهم المضايفي و وصلت البشائر إلى مصر فزينت خمسة أيام و أرسل محمد علي بشيرا إلى اسلامبول اسمه لطيف آغا فتلقاه أعيان الدولة في موكب عظيم و معه مفاتيح زعموا انها مفاتيح مكة و المدينة و جدة و الطائف و قد وضعوها على صفائح الذهب و الفضة امامها البخور في مجامر الذهب و الفضة و خلفها الطبول و الزمور و ضربوا لذلك مدافع و أنعم عليه السلطان و كبراء الدولة و سمي لطيف باشا و أنعمت الدولة على محمد علي و أهدته خنجرين و سيفا مجوهرة و عدة اطواخ بالباشوية لمن يريده و سال الشريف مفتي المالكية الشيخ عبد الملك القلعي هل جعلتم تاريخا لانقضاء مدة الوهابية فقال (قطع دابر الخوارج) ١٢٢٧ و أرسل محمد علي باشا ولده إسماعيل باشا إلى اسلامبول بالبشارة فأكرمته الدولة ثم عاد إلى مصر و بعد استقرار العساكر بمكة و الطائف شنوا الغارات على طوائف الوهابية القريبين من الطائف حتى قتلوا كثيرا منهم و فرقوا جموعهم.
القبض على المضايفي
ثم قبضوا على المضايفي بناحية الطائف و كان قد جرد على الطائف فبرز اليه الشريف غالب مع عساكر الأتراك و العربان و وقعت الحرب و أصيب جواده و أصابته جراحة فنزل إلى الأرض و اختلط بالعسكر فلم يعرفوه و ارتفعت الحرب بنزوله ثم خرج عنهم و سار نحو اربع ساعات فصادفه جند الشريف فقبضوا عليه فجعل الشريف في عنقه زنجيرا و كان المضايفي زوج أخت الشريف فاستاء منه و انضم إلى الوهابيين فكان أعظم أعوانهم و هو الذي كان يحارب لهم و يجمع قبائل العرب و يدعوهم عدة سنين و يوجه السرايا و هو الذي فتح الطائف و هو المحارب مع عرب حرب بناحية الصفراء الذي هزم عساكر طوسون و شتتهم كما مر و كان فصيحا متأنيا في الكلام عليه آثار الامارة و معرفة مواقع الكلام ثم أرسلوه إلى جدة و منها إلى مصر و الزنجير في عنقه (و جاءت) البشارة إلى محمد علي بالقبض على المضايفي و قد تهيأ للسفر إلى الحجاز فوصل جدة في أواخر شوال سنة ١٢٢٨ و كانوا أرسلوا المضايفي فلم يره و بعد وصول المضايفي إلى مصر بثلاثة أيام أرسلوه مع ابن مضيان إلى اسلامبول فطافوا بهما فيها ثم قتلوهما.
و لما وصل محمد علي باشا إلى جدة و اجتمع بولده طوسون حضر الشريف غالب لمقابلته و جاءته رسل سعود الوهابي فقالوا الأمير سعود يطلب الإفراج عن المضايفي و يفتديه بمائة ألف ريال فرانسية و يريد الصلح فقال اما المضايفي فأرسل إلى اسلامبول و اما الصلح فلا ناباه بشرط دفع كل ما صرفناه على العساكر من ابتداء الحرب إلى اليوم و إرجاع كل ما اخذه من ذخائر الحجرة النبوية و دفع ثمن ما استهلك منها و ان ياتي إلي لأتعاهد معه و يتم صلحنا و ان ابى فنحن ذاهبون اليه فقالوا اكتب له كتابا فقال لا اكتب لأنه لم يرسل معكم كتابا فكما جئتم بمجرد الكلام فعودوا به فلما أرادوا الانصراف جمع العساكر و نصبوا ميدان الحرب و الرمي من البنادق و المدافع ليرى الرسل ذلك.
ثم توجه محمد علي إلى مكة فاحتفل به الشريف غاية الاحتفال و بالغ في ضيافته و إكرامه مع شدة التحذر منه و أنزله و ولده طوسون كلا في دار كان الباشا يعظم الشريف غاية التعظيم و يقبل يده و تعاهد معه في جوف الكعبة على الوفاء و عدم الخيانة من الطرفين و من تحذره منه ان حسن له توجه العساكر من جدة إلى الطائف بدون دخول مكة لئلا يحصل ضيق في الماء لكثرة الحاج ففعل و لم يكن مع الباشا في مكة من العساكر الا قليل و كان عند الشريف عساكر موظفون نحو الألفين متفرقين قلقات في أطراف مكة و من العبيد نحو الألف في القلاع و لكن إذا جاء القدر لم ينفع الحذر.
القبض على الشريف غالب
و كان محمد علي باشا مأمورا من السلطنة بالقبض على الشريف غالب فتحير في ذلك لتحذر الشريف منه و لما بينهما من العهود فرأى ان يقبض عليه ابنه طوسون تخلصا من خلف العهد بزعمه فأظهر ان بينه و بين ابنه منافرة و ذهب ابنه لجدة مظهرا انه مغاضب لأبيه و كتب إلى الشريف ان يشفع له عنده ففعل فكتب الشريف اليه بالحضور فحضر و ذهب الشريف للسلام عليه و ليأخذه إلى أبيه فلما وصل إلى بيت طوسون وجد أكثر العساكر مجتمعة فلم ينكر ذلك لظنه انهم جاءوا للسلام فدخل على طوسون و تفرق اتباعه في الدهليز و قبل طوسون يده و عظمه و منع الناس من الدخول على العادة ثم دخل عابدين بك من كبار العسكر فقبل يد الشريف و قبض على الجنبية ليأخذها من وسطه و قال أنت مطلوب للدولة فلم يجد بدا من التسليم فقال سمعا و طاعة اقضي أشغالي في ثلاثة أيام ثم أتوجه فقال لا سبيل إلى ذلك و أدخلوه إلى بيت آخر و لا يعلم أحد بشيء و ذلك في أواخر ذي القعدة من سنة ١٢٢٨ و مكة مملوءة بالحجاج و أرسل طوسون إلى أبيه يعلمه بذلك فاستشار الشيخ احمد تركي الذي كانت هذه الحيلة بتدبيره و هو مطوف ذو عقل و دهاء و كان من المختصين بالشريف و يعتمد عليه في المهمات و يبعثه إلى دار السلطنة فلما قدم محمد علي الحجاز جعله ملازما له فوجده محمد علي ذا خبرة و دراية فقربه و صار يستشيره و لما رجع إلى مصر امر نائبه بمكة باستشارته فقال ان الشريف له ثلاثة أولاد كبار فيخشى ان يحدثوا فتنة و القلاع بايدي عبيدهم و عندهم عساكر موظفة فلا بد من الاحتيال للقبض عليهم فذهب الشيخ احمد إلى الشريف غالب و قبل يده و قال افندينا يسلم عليكم و يقول لا تهتموا و القصد ان تقابلوا مولانا السلطان و ترجعوا إلى ملككم و يكون مدة غيابكم أحد أولادكم نائبا عنكم فاطلبوهم و اخبروهم بالحقيقة ليطمئنوا فصدقه و امر بكتابة ورقة لهم ليحضروا و ختمها فحضروا و قبض عليهم و قيل بل أرادوا الحرب لما علموا فتهددهم الباشا و أرسل إليهم الشريف فمنعهم عن ذلك و خدعهم الشيخ احمد تركي فقال ليس على أبيكم بأس انما هو مطلوب في مشاورة مع الدولة و يعود بالسلامة و الباشا يريد ان يولي كبيركم نيابة عن أبيه حتى يرجع فانخدعوا و قاموا معه و الله اعلم