أعيان الشيعة - الأمين، السيد محسن - الصفحة ٣٧
و فنيت الأقوات فأكل الناس العقاقير و الأدوية كما فعلوا سنة ١٢١٩ و مات كثير بالجوع و بعضهم مات و هو يمشي و ترى الأطفال موتى في كل زقاق فهرع الناس إلى الحسينية من الطرق الصعبة خوفا من السطوة بهم فمنهم قتل و منهم مات جوعا و منهم وصل محمولا و لم يبق بمكة الا القليل و لا يتكامل الصف الأول عند الصلاة في المسجد الحرام و أغلقت الحوانيت.
صلح الوهابية مع الشريف غالب
و جاء من الحسينية عبد الرحمن بن نامي أحد علماء الوهابية و تذاكر مع الشريف في الصلح على ان يأذن لهم في الحج ثم يرجعوا لبلادهم و يدخل الناس في الطاعة و يكون حكم مكة للشريف و شرط عليهم اعادة الحسينية و غرامة ما ذهب فيها من نفوس و اموال و غير ذلك مما رأى فيه الصلاح و الرفق بأهل مكة و ان يخبروا سعودا بالصلح و ينتظروا الجواب فدخلوا مكة و عاد إليها أهلها و تنازلت الأسعار و حج الوهابية و جعلوا يركضون في الطواف و يشيرون إلى الحجر الأسود بالمشاعيب و البواكير و وصل الحاج الشامي و أميره عبد الله باشا و معه قوة زائدة عن العادة نحو ألف و خمسمائة خيال و قال سعود «١»
لاميري الحاج الشامي و المصري ما هذه العويدات التي تأتون بها و تعظمونها يعني المحمل فقالوا جرت العادة بذلك علامة لاجتماع الحجاج فتوعدهم بتكسيرها ان جاءوا بها ثانية و شرط ان لا يأتوا بالطبل و الزمر و اقام الوهابيون إلى حادي عشر المحرم سنة ١٢٢١ ثم ارتحلوا و أصيبوا مدة مقامهم بمكة بالجدري فمات كثير منهم حتى صاروا يدفنون في الحفرة الواحدة جماعة و كان الكثير منهم مدة إقامتهم بمكة يؤجرون أنفسهم لأهل مكة للاحتطاب و حمل القمائم و نزح المراحيض و غير ذلك (و في افتتاح هذه السنة) وجه الشريف عماله على الأقطار فأرسل وزيرا إلى ينبع و أرسل مائتين من الأتراك إلى سواكن و مثلها إلى مصوع و نزل هو إلى جدة و رتب أمورها و امر بإصلاح السور و عمارة الخندق و بناء برج على باب البوغاز المسمى بالعلم يمنع الداخل إلى المرسى ان قصده عنوة (ثم) وصل من الدرعية عشرون رجلا فيهم حمد بن ناصر أحد علمائهم و كان الشريف بجدة فأعطوه كتبا من سعود فيها إتمام امر الصلح و نزل حمد إلى مسجد عكاش و جمع الناس و قرأ عليهم رسالة محمد بن عبد الوهاب التي يكفر فيها المسلمين و قبل الشريف بمنع جميع الأمور التي يعتقد الوهابية منعها مرغما على ذلك فأمر بهدم القباب و ترك شرب التنباك و عدم بيعه و بدخول الناس المسجد عند سماع الأذان لصلاة الجماعة و بتدريس رسائل ابن عبد الوهاب و ترك تكرير الجماعة في المسجد الحرام و الاقتصار على الأذان في المنائر و ترك التسليم و التذكير و الترحيم و أبطل ضرب نوبته و نوبة والي جدة فتوجه حمد بن ناصر إلى الدرعية يخبرهم بذلك و أرسل الشريف معه رسولا فرجع بالجواب و الشريف باق بجدة فأعاد الجواب لهم و في مدة غيابه في جدة وقعت فتنة بين الأتراك و العبيد فحضر إلى مكة و اطفاها و عاقب من كان سببها فلما بلغ خبرها المضايفي فرح و ذهب من الطائف إلى الدرعية ليخبر سعودا بذلك و يشنع على الشريف فلم يصادف قبولا عند سعود فرجع و امر العربان بقطع الطرق مشاقة للشريف و كان سعود أعطاه امارة العربان فارتفعت الأسعار بمكة لانقطاع الطرق فأخبر الشريف سعودا بذلك فأرسل إلى عثمان و منعه فعاد الأمن و تراخت الأسعار ثم امر الشريف ببناء حصن على رأس جبل الهندي و حصنه بالرجال و الذخائر و كان مدة استيلائهم على مكة يصانعهم و يهدي لهم الأموال الجزيلة و كانت هداياه تصل إلى أكثر امرائهم و علمائهم و أعوانهم محافظة على نفسه و على أهل مكة و كان سعود و كثير من امرائهم يحجون كل سنة بجنود كثيرة فيكرمهم الشريف و يهيأ لهم الضيافات الكثيرة و مع ذلك كان يكاتب الدولة العثمانية سرا و يحثهم على تعجيل تجهيز العساكر لانقاذ الحرمين من الوهابية.
و في خلاصة الكلام في هذه السنة كان أمير الحاج الشامي عبد الله باشا فلما وصل منزل هدية جاءه من الوهابي لا تأت الا على ما شرطنا عليك في العام الماضي فرجع الحاج من هدية و لم يحجوا اما المحمل المصري فأمر سعود باحراقه و نادى مناديه بعد انقضاء الحج ان لا ياتي إلى الحرمين بعد هذا العام من يكون حليق الذقن و تلا في المناداة: (يا أيها الذين آمنوا انما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا) فانقطع مجيء الحاج الشامي و المصري من هذا العام. «٢»
نهب الوهابية ذخائر الحجرة النبوية و هدم القباب بالمدينة المنورة
و فيها أخذ الوهابي كلما في الحجرة النبوية من الأموال و الجواهر و طرد قاضي مكة و المدينة و اقام لقضاء مكة الشيخ عبد الحفيظ و لقضاء المدينة بعض علمائها و منعوا الناس من زيارة النبي (ص).
و قال الجبرتي لما استولى الوهابيون على المدينة المنورة هدموا القباب التي فيها و في ينبع و منها قبة أئمة البقيع بالمدينة لكنهم لم يهدموا قبة النبي (ص) و حملوا الناس على ما حملوهم عليه بمكة و أخذوا جميع ذخائر الحجرة النبوية و جواهرها حتى انهم ملأوا اربع سحاحير من الجواهر المحلاة بالماس و الياقوت العظيمة القدر و من ذلك اربع شمعدانات من الزمرد و بدل الشمعة قطعة ماس تضيء في الظلام و نحو مائة سيف لا تقوم قراباتها ملبسة بالذهب الخالص و منزل عليها ماس و ياقوت و نصابها من الزمرد و اليشم و نحو ذلك و نصلها من الحديد الموصوف و عليها أسماء الملوك و الخلفاء السالفين و طرد الوهابية أغوات الحرم و القاضي الذي كان قد توجه لقضاء المدينة و اسمه سعد بك و خدام الحرم المكي و قاضي مكة فتوجه مع الشاميين.
و قال الجبرتي في حوادث سنة ١٢٢٢ في هذه السنة أخبر الحجاج المصريون انهم منعوا من زيارة المدينة المنورة.
انقطاع الحج من مصر و الشام و العراق
قال العلامة السيد جواد العاملي في حوادث سنة ١٢٢٢ انه تعطل الح
ج