أعيان الشيعة - الأمين، السيد محسن - الصفحة ٢٩٩
هذا الإجماع قبل ان يخلق الله موسى جار الله بما يزيد عن ألف و ثلاثمائة سنة.
فقوله بإجماع الصحابة على ان وظيفة الرجلين الغسل افتراء منه على الصحابة و جهل و معاندة لصاحب الشريعة المعصوم و كيف كان فابن عباس مخالف فأين الإجماع. و اما أفضل الأمة بعد سيد الأمة فهو من لم يشاركه أحد من الأمة في فضائله كما شهد له بذلك خزيمة بن ثابت ذو الشهادتين بقوله:
من فيه ما فيهم لا يمترون به و ليس في القوم ما فيه من الحسن
و شهدت له بذلك شواهد اليقين التي لا يمكن ردها. و اما ان فيهم أفقه الصحابة فهو لم يدع ذلك لنفسه حين قال كل الناس أفقه منك حتى المخدرات. لو لا علي لهلك عمر. قضية و لا أبو حسن لها. لا عشت لقضية ليس لها أبو حسن.
و لم يكن يقدم ابن عباس و يأخذ بقوله كما زعم بل الذي كان يقدمه و يأخذ بقوله في الفتاوى و الأمور المشكلة هو علي بن أبي طالب و حسبك ما مر من أقوالها آنفا و قد أخذ بقوله في وضع التاريخ و غزو الفرس و حلي الكعبة و غيرها و اين ابن عباس و غير ابن عباس من علي بن أبي طالب. و ابن عباس لم يجسر على إظهار قوله في العول في حياته بل أظهره بعد وفاته كما مر في العول. و بذاءة لسانه- التي اعتادها- في حق الصادق امام أهل البيت الطاهر و في حق غيره قد دلت على سوء أدبه و عدم صفاء نفسه و ان أبرزها بصورة التعليق. و جد الصادق أمير المؤمنين علي بن أبي طالب معصوم بالبرهان القاطع لا بمثل دعاواه الفارغة. و إذا كان ابن عباس من اعلم تلاميذ علي و أكثرهم تعلقا به فلا بد ان يكون أخذ قوله لا أجد في القرآن الا المسح منه و لا يمكن ان يترك علي و تلميذه قول القرآن إلى قول الناس و هو من شيعته يوم الإجماع الذي لو صح لكان على عكس ما توهمه موسى جار الله كما يعلم مما مر و قبله و بعده إلى آخر حياته و ما نسبه إلى الشيعة في حقه سخافة لا يقولها أحد منهم و لا تستحق الجواب و لم أجدها في أصول الكافي في الطبعة التي عندي، نعم روى كثير من المؤرخين انه أخذ مال البصرة و ذهب إلى الحجاز فان صح فهي موبقة عظيمة لا تختص الشيعة بإلقائها عليه و لكن المحققين من علماء الشيعة و غيرهم لا يصححون نسبة ذلك اليه و يقولون انه لم يفارق عليا حتى استشهد، بدليل ما ذكروا انه هو الذي أخذ البيعة للحسن بالكوفة بعد قتل أبيه و لا يبعد ان يكون ما نسب اليه موضوعا من أعداء بني هاشم عامة و آل أبي طالب خاصة أو انه صدرت منه هفوة ثم تاب منها و عاد إلى علي و لكن مؤلف الوشيعة لا يألوا جهدا في نسبة القبائح إلى شيعة أهل البيت فتعود تلك القبائح عليه. و الاستنباط اللطيف العجيب الذي استنبطه ابن عباس و لا شك انه اخذه من قدوته علي بن أبي طالب و علي اخذه من منبع الرسالة مع ثناء صاحب الوشيعة عليه بتلك العبارات يخالفه و يقول عندنا عليه زيادة. و انما هي كزيادة زياد في آل حرب فحمل احدى [القراءيين] القراءتين على الاخرى بالوجه الصحيح الذي تقتضيه لغة العرب و فصاحة القرآن و بلاغته [ام] امر لازم واجب دفعا للتناقض و رفعا للتعارض و صونا لبلاغة القرآن الكريم عن التعقيد اللفظي فإذا كانت القراءتان متواترتين و كانتا بمنزلة آيتين مستقلتين فلا مناص عن الجمع بينهما بما ذكر، و ليس ذلك تكلفا بل حمل على وجه عربي جيد جاءت لغة العرب الفصيحة بمثله و لا حجرا على اختيار الشارع فالشارع لا يمكن ان يختار ما لا يدل عليه اللفظ و ما يوجب سقوط بلاغة القرآن و لزوم التعقيد في عبارته. اما الحمل على وجوب الغسل حال الاحتفاء و المسح على النعل و الخف حال لبس أحدهما فلذلك فرع صحة عطف الأرجل على الوجوه و قد عرفت فساده فهو تصرف في قول الله تعالى من غير إذنه و بما لا يرضاه و بما لا يصححه تكلف نحوي و لا صرفي و بما يوجب التعقيد في كلامه تعالى و اعتداء على قصده و افتراء عليه و تقييد بغير مقيد و الآية تنص على المسح بالأرجل لا بجلود الشياة و البقر و الإبل، و المكلف امر بان يوضئ جلده لا جلود الأنعام و إرادة الخفاف من الأرجل مجاز ينافيه أصالة الحقيقة و فقد القرينة و مسح الرسول (ص) على الخفين لم يثبت ان لم يثبت عدمه.
و أئمة أهل البيت الذين نزل القرآن و الأحكام في بيتهم و على جدهم و ورثوا علومه اعرف بالاحكام بمعاني القرآن من موسى تركستان و من كل إنسان و هم قد أوجبوا المسح بالرجلين دون الغسل و دون المسح على الخف. و مسح المنتعل بالنعل العربية برجليه ممكن بإدخال يده تحت التراك، فلو فرض ان النبي (ص) مسح منتعلا لم يناف ذلك المسح بالرجلين و ليس بيان معنى الوجهين حقا مخصوصا بالشارع كما توهم بل الله تعالى خاطب الناس بما يفهمون فعليهم العمل بما يفهمون من غير انتظار بيان آخر و الشارع لا يمكن ان ياتي ببيان آخر يخالف اللغة و التخاطب و يخل ببلاغة القرآن و عمله بكلا الوجهين لم يثبت بل ثبت خلافه كما مر. و اما مراعاة معنى النظافة و التيسير و رفع الحرج و غير ذلك من هذه العبارات المزوقة فاحكام الشرع تثبت بنص الشارع و توقيفه لا بالحدس و الظن و التخمين و المناسبات و الاستحسانات و تنميق العبارات و حكم الشرع لا يعرفها الا الشارع و ليس لعقولنا طريق إليها، و قد عرفت ان النصب لا يمكن ان يكون امرا بغسل الأرجل لا في حال الاحتفاء و لا غيرها و ان الخفض نص في وجوب المسح بالرجلين لا بالخفين و النعلين لان الخف و النعل ليسا برجل فهذا التفصيل الذي فصله بان النصب امر بالغسل حال الاحتفاء للتنظيف و الخفض امر بالمسح حال الانتعال أو الاختفاف يشبه الالغاز في الكلام و لا يستند إلى مستند غير الأوهام و المناسبات و الاستحسانات التي لا يجوز بناء الأحكام الشرعية عليها و انه تلاعب بآيات القرآن و إذا كان المسح رخصة حال الاختفاف فليكن كذلك حال الاحتفاء أيضا تيسيرا لعدم وجود الماء الكافي لغسل الرجلين في كثير من الحالات فالتيسير فيه اولى من التيسير في نزع الخف و النعل اللذين لا مشقة فيهما. و الوضوء و التيمم كلاهما عزيمة لا رخصة فيهما بالمعنى المعروف للعزيمة و الرخصة من الوجوب و الاستحباب و الاباحة. و الرخصة بمعنى التيسير مجرد مناسبة لا يبتني عليها حكم شرعي فقوله لو كان التيمم عزيمة و الوضوء رخصة لكان لمسح الأرجل في حال احتفائها وجه جواز. عار عن الفائدة. و في كتاب ربنا و دلالته الواضحة غنية عن هذه التمحلات الباردة و قد بينا ان المتنازع فيه هو كون الغسل جزءا من الوضوء الذي هو عبادة واجبة أو مستحبة فقوله انه مباح و انه ضروري في الأحيان لا ياتي شرع بتحريمه لا يصدر من أحد ينسب إلى علم فالإباحة لا تثبت الوجوب و كونه ضروريا في بعض الأحيان لا يجعله جزءا من العبادة و لم يأت شرع بذلك الا على قاعدة موسوية تركستانية مستوحاة من هوى النفس و قد بينا في أوائل الكتاب عند ذكره لخلاف ما عند العامة بطلان قوله كل ما عليه العامة" إلخ" و ان كونه أصلا من أصول الفقه عند الشيعة لا أصل له فراجع.
و هذا الرجل مولع بأقوال التوراة يستشهد بها في كل مناسبة لكن بما لا ينطبق على مدعاه ما لنا و للتوراة حسبنا كتاب ربنا الذي نسخ التوراة و الإنجيل. يقول ان كبير عصر إبراهيم دعا لإبراهيم و باركه بمسح رأسه