أعيان الشيعة - الأمين، السيد محسن - الصفحة ٢٤١
و اما تمويهه بان خلاف الرواية السكوت و الساكت آمن فيرده ان التقية بالرواية تكون عند السؤال و معه قد لا يمكن السكوت و قد يكون السؤال من نوع التجسس و هذا واضح لكل أحد و لكن عناد هذا الرجل يدعوه إلى التمحل و التعسف و لو أنصف قليلا لعلم ان من يكون مثل أئمة أهل البيت في اشتهارهم بالعلم و الفضل عند الخاص و العام لا يمكنه السكوت في كل مقام و لا يتيسر له و لا يقبل منه.
(الرابع) تشدد الصادقين في امر التقية نقل ما روي عنهما فيها في معرض النقد و الاستنكار.
و إذا نظرنا إلى ما جرى على أئمة أهل البيت الطاهر و اتباعهم و سائر أفراد البيت العلوي في الدولتين الأموية و العباسية بل و أكثر الدول الإسلامية من سلاطين الجور الحاملين لقب امارة المؤمنين و أعوانهم و من عاصرهم أو تأخر عنهم مما شاع و ذاع و تواترت به الاخبار و تكفلت بنقله كتب الآثار من الظلم و الاضطهاد الباعث لأشد الخوف بالإلقاء في السجون و القتل بالسم و السيف و التشريد عن الأوطان و بناء الحيطان عليهم احياء و دفنهم احياء و منع الحقوق و التخليد في المطامير و إيقاع كل مكروه بهم مما هو معلوم معروف.
و قد كان العلم أو الظن أو التهمة بان الرجل من اتباع أهل البيت كافيا في إيصال أنواع الأذى و الضرر اليه بالقتل فما دونه. علمنا ان الباقر و الصادق ع مصيبان كل الاصابة في تشديدهما الأمر بالتقية في دولة الباطل و وصفهما تاركها بأنه لم يرض بقضاء الله و خالف امر الله و ضيع المصلحة التي اختارها الله لعباده، و في قولهما التقية ديني و دين آبائي و لا دين لمن لا تقية له و ان التقية كانت واجبة عليهم بكل أنواعها و انهم كانوا معذورين فيها و ان تركها لو تركوها كان مخلا بديانتهم و عصمتهم و حكمتهم و انه لولاها لما بقي لهم و لا لشيعتهم و اتباعهم اثر و كانت المفسدة أعظم و أضر. قال القاضي ابن أبي جرادة الحلبي في شرح قصيدة أبي فراس الميمية: لما عزم المنصور على الحج في العام الذي توفي فيه و هو عام ١٥٨ دعا ريطة ابنة أخيه السفاح و هي زوجة ابنه محمد و أعطاها مفاتيح و احلفها باوكد الايمان ان لا تفتح بها خزائن عرفها إياها و لا تطلع عليها أحدا و لا ابنه المهدي حتى يصح عندهما موته فيجتمعان و ليس معهما ثالث على فتحها فلما بلغ ابنه موته و ولي الخلافة فتح تلك الأبواب و معه ريطة فإذا أزج عظيم فيه قتلى الطالبيين و في آذانهم رقاع فيها أنسابهم منهم المشايخ و الشباب و الأطفال فلما رأى ذلك المهدي ارتاع و امر فحفرت لهم حفيرة و دفنوا فيها اه.
و ما جرى عليهم في عهد الملك العضوض و العصرين الأموي و العباسي المشئومين كله سلسلة مظالم قادحة و حلقات فظائع مفجعة، وشي إلى الرشيد بان علي بن يقطين أحد وزرائه شيعي فأمر بالتجسس عليه في عبادته فأمره الكاظم بالتقية فأخبر الرشيد بعبادته فسلم و عاقب الواشي و استمر ذلك في اعصار كثيرة و بقي شرره يتطاير إلى اليوم و مع ذلك يلام اتباع أهل البيت و يندد بهم و ينسبون إلى النفاق و الحيلة إذا اتقوا دفعا للضرر و بعدا عن الخطر أ فيقع ذلك ممن عنده ذرة من انصاف و حسبك ان يجيء موسى جار الله بعد ألف و مئات من السنين من اقاصي تركستان و آخر ما عمر الله إلى هذه البلاد في هذا الزمان الذي لم يبق فيه للإسلام دولة و لا صولة و قد ملكت عليهم بلادهم و أصبحوا غرباء في أوطانهم و بدلت شرائع دينهم يضرم نار الخلاف و يهدم بنيان الوفاق بكلماته هذه التي يقطر السم و الشر من جوانبها و ينتقد أئمة أهل البيت و اتباعهم بمر الانتقاد بغير حق و يسيء الأدب في حق أئمة أهل البيت الطاهر و ان أراد ستر ذلك بان ما أسند إليهم موضوع.
و التقية من دين الله في كل ملة كما قال الامام الصادق فقد كان مؤمن آل فرعون يكتم ايمانه و كان أهل الكهف يتقون و ما هربوا و دخلوا الكهف الا خوفا و تقية و لما أفاقوا بعد ثلاثمائة و تسع سنين قالوا (فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة فلينظر أيها ازكى طعاما فليأتكم برزق منه و ليتلطف و لا يشعرن بكم أحدا انهم ان يظهروا عليكم يقتلوكم أو يعيدوكم في ملتهم) الآية فاوصوه بالاستخفاء و التقية خوفا من القتل أو الفتنة عن الدين، قال الرازي في تفسيره عن ابن عباس (فلينظر أيها ازكى طعاما) يريد ما حل من الذبائح لان عامة أهل بلدهم كانوا مجوسا و فيهم قوم يخفون ايمانهم اه. فهل كانوا يخفونه الا تقية فبان بذلك صدق قول الامام الصادق: التقية من دين الله في كل ملة في الأقوال و الأفعال و السكوت عن الحق حفظا للنفس و المال و إبقاء للدين و لو لا التقية لبطل دين الله و انقرض اهله.
و قوله: التقية على ما عليه الشيعة غش في الدين هو عين الغش في الدين فقد بان ان التقية على ما عليه الشيعة هي عين ما اعترف به في كلامه و عين ما نقله عن السرخسي و هي عين ما امر الله به في كتابه و على لسان نبيه و اوصيائه و قضى به العقل و لا نختلف عما يفعله هو و أهل نحلته و جميع الناس عند خوفهم شيئا و هي عين النصح و النصيحة. و تركها غش في الدين لانه إيقاع للنفس في الضرر و في التهلكة. و الامام لا يسلك الا طريق النصح و لذلك امر شيعته و اتباعه بالتقية ليحفظوا نفوسهم من القتل و الأذى و أموالهم من السلب و النهب و اعراضهم من الانتهاك و لو أمرهم بترك التقية لكان قد غشهم و لم يكن أحد من الائمة يسلك طريق الغش و لكن هذا الرجل يأبى الا المراء و العناد و سلوك طريق الغش. و كل يعلم ان من أظهر بلسانه ما لم يعتقده بقلبه تقية و حفظا لدمه و ماله و عرضه مأجور مثاب ثواب الصابرين داخل في قوله تعالى (إلا من اكره و قلبه مطمئن بالايمان) مشارك لعمار الذي رخصه الرسول (ص) في إظهار كلمة الكفر للتقية فجعل هذا الرجل ذلك كذبا و نفاقا هو من الشقاق و النفاق و مرض القلب. و يزعم ان الشيعة تجيزه لغرض عدائي- و كذب- لا تجيزه الا حفظا للنفس أو المال أو العرض كما اجازه الرسول (ص) في أفظع الأمور تقية و لكن هذه المماحكات منه ما هي الا لغرض عدائي. و إذا كان لا يظن ان الائمة كانوا يعلمون الشيعة التقية التي يسميها تقية الخداع في الاخبار و النفاق في الأحكام جهلا منه أو خداعا و نفاقا فنحن نعلم و لا نظن انهم كانوا يعلمونهم ما يفعله كل عاقل و ذي دين و ما امر الله به في كتابه و ما فعله عمار فيفعلونه مكرهين مرغمين صابرين على مضضه و بلائه كما صبر عمار مكرها مرغما و حاشاهم من الخداع و النفاق و من رماهم بذلك هو أحق و اولى به منهم و قد اتضح مما مر وضوح الشمس الضاحية ان نسبته إلى الشيعة الاتقاء في طفائف الأمور و الأعمال النفاقية بوضع الاخبار على وجه التقية و المجاهرة باسوإ الكبائر (إلخ) نسبة كاذبة باطلة و عمل من الأعمال الشقاقية النفاقية و مجاهرة باسوإ الكبائر. فالشيعة لا تأخذ الأحكام جزافا و لا تتبع الا ما رسمه لها الدليل في امر التقية سواء في ذلك طفائف الأمور و عظامها و ان كلامه هذا روحه النفاق و الشقاق لله و لرسوله و ثمرته كفر التهود قالوا سمعنا و عصينا سمع قول الله تعالى الا من اكره الا ان تتقوا و عصاه و عاب من أطاعه و نحن سمعناه و أطعناه فاي الفريقين أحق ان يدخل تحت هذه الآية.
و اي شيء أعظم في تقرير التقية أدبا دينيا من القرآن. و قلب كل شيعي