أعيان الشيعة - الأمين، السيد محسن - الصفحة ٢٣٩
و أموالها و اعراضها من طواغيت الظلمة. و انما هو قد شغفه حب المراء و العداء و تفريق الكلمة و مصادمة البديهة فجاء بما جاء و نطق بما نطق كما كذب في عبارته الثانية تمسكا بعصبية باطلة قاده إليها العداء ما ردت الشيعة حديثا و لا عملا لانه يوافق ما عليه الأمة و لا هذا رأيها و لا اعتقادها و جل الأحاديث و الأعمال التي تأخذ بها الشيعة و تقتدي بالائمة فيها موافق لعمل من يسميهم الأمة و انما ترجح أحد الحديثين المتعارضين عند فقد جميع المرجحات في السند و الدلالة بموافقته لفتوى أئمة أهل البيت كما مر آنفا في موافقة الأمة و مخالفة الأمة و هذا بعيد عما يزعمه بعد المشرق عن المغرب و إذا كان يجل الائمة و يحترم أهل البيت و يرى من عزة الامام و أعظم شرفه ان يكون من الذين يبلغون رسالات الله و يخشونه و لا يخشون أحدا الا الله و من الذين يجاهدون في سبيل الله و لا يخافون لومة لائم فهل كان الائمة- و هو لا يراهم بالعين التي تراهم بها الشيعة- أعظم عنده من موسى كليم الله و هو نبي من اولي العزم حين قال ففررت منكم لما خفتكم و حين خرج من مصر خائفا يترقب، أو أعظم من نبي الله [شعيب] لوط حين قال لو ان لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد، أو أعظم من هارون وزير موسى و شريكه في الرسالة حين قال ان القوم استضعفوني و كادوا يقتلونني فلما ذا لم يكلفوا ان يجاهدوا أعداءهم و لا يخافوهم و يخشوا الله و لا يخشوا أحدا الا هو، أو أعظم من محمد (ص) حين كان يعبد ربه سرا في أول الرسالة و حين اختفى ثلاثا في الغار ثم فر هاربا إلى المدينة مستخفيا فلما ذا لم يكلف ان يجاهد المشركين يومئذ و لا يخافهم و يخشى الله و لا يخشى غيره.
و قوله اسوأ التقية في رواية الاخبار هو من اسوأ الأقوال و فقيه الشيعة يمنعه ورعه و تقواه عن ان يقول فيما اختلف من اخبار أهل البيت الا بما ثبت عنده من الحق الصريح من الترجيح بالمرجحات في السند و الدلالة و موافقة الكتاب و السنة و عند فقد جميع ذلك يرجح بموافقة فتاوى أئمة أهل البيت لأنها أقرب إلى الحق كما مر آنفا و لكن هذا الرجل يقول و لا يتقي ان ما اختلفت من اخبار أهل البيت فهو التقية عند فقيه الشيعة و لا شك ان التقية رحمة للشيعة حفظت بها دماءها و أموالها و اعراضها و لولاها لما بقي واحد منها. و هو يشك في ذلك و قد جاءنا من اقاصي الأرض ينابذ الشيعة و يخاصمهم و يوري نار العداء لهم بغير حق و قد بلغت حالة المسلمين ما بلغت من وهن سنيهم و شيعيهم و التقية اولى ان تكون رحمة من اختلاف الأمة المدعي انه رحمة المستلزم كون اتفاقها نقمة.
و الشيعي ان أخذ بقول الامام الصادر تقية و لم يتنبه- و هو أقل قليل- كان معذورا كما يعذر من يأخذ بأقوال أهل المذاهب المختلفة الذي عد اختلافها رحمة و لا يمكن ان يكون كلها قول رسول الله (ص) لان قوله واحد و شرعه واحد انما يعذر من يخالفه باجتهاده. و كون كل مجتهد مصيب قد بين مفاده في الأصول انما كل مجتهد معذور مع عدم تقصيره و مقلده معذور كما يعذر الذي يأخذ بما رواه الراوي كذبا و هو لا يعلم كذبه. و قد كثرت عليه الكذابة في حياته فضلا عما بعد وفاته.
و فقيه الشيعة لا يحمل الرواية على التقية بمجرد كون رجال السند ممن تسموا بالسنيين أو الزيدية- كما افتراه هذا الرجل- فالشيعة عملت بروايات الثقات من السنيين و الزيدية كما عملت بروايات جميع من خالفها في العقيدة من الثقات كالفطحية و الناووسية و الواقفة و غيرهم و ردت أحاديث الشيعة أنفسهم ان لم يكونوا ثقات و منه تعلم ان قوله هذه حيلة الشيعة (إلخ) زور و بهتان و تعصب بجهل و حيلة للرد على الشيعة و انما رد غيرها السنن الثابتة عن النبي (ص) و أهل بيته أحد الثقلين و شركاء القرآن بقول صحابي يعترفون بعدم عصمته كما يعلم مما ياتي في المتعة و العول و الأذان و الإقامة و غيرهما.
(الثالث) التقية في العبادة و الرواية فمنع منهما بقوله اما التقية بالعبادة و التقية بالتبليغ (إلخ) و قوله لا كلام لنا الا في هاتين الصورتين. و هو يناقض قوله التقية في سبيل حفظ حياته و شرفه و ماله و حقه واجبة على كل أحد اماما أو غيره فإذا توقف حفظ أحد الأربعة على التقية في أحد الأمرين فان قال بوجوبها ناقض ذلك منعه لها في الأمرين و ان قال بالعدم ناقض إيجابه لها لحفظ أحد الأربعة و ان خص إيجابها لحفظ أحد الأربعة بغير العبادة و الرواية سألناه عن المخصص و ان أنكر توقف حفظ أحدها على التقية في أحدهما خالف البديهة. و ما نقله عن الإمامين الشافعي و السرخسي مقتضاه العموم.
و إذا رخص الله تعالى عمارا في أفحش الأشياء و أقبحها للتقية أ فلا يرخص في إظهار الموافقة في عبادة أو فتوى لحفظ أحد الأربعة، أ فما فعله عمار أعظم أم المسح على الخف و غسل الرجلين في الوضوء و إفتاء السائل بما يوافق مذهبه و اي شيء يبقى بعد ما فعله عمار لا تجوز فيه التقية لو لا العصبية و قلة الإنصاف. و قوله: لم يقصد به وجه الله ثم تفريعه ان ما لم يقصد به وجه الله باطل و شرك و ان قصد النفاق طريف جدا فإذا حفظ به أحد الأربعة الواجب عليه حفظها مطيعا امر الله له بالتقية كما امر عمارا و نهي الله عن الإلقاء باليد إلى التهلكة فلم لا يكون قاصدا وجه الله و اي عمل يتقرب به إلى الله خير من ذلك بل عمله من أعظم القربات. و ذكره الوهم مع الخوف لا يظهر له وجه سوى الوهم. و قوله لا تقع ابدا من أحد له دين و يمتنع صدورها من امام له عصمة، قول لا يقع مثله ابدا من أحد له دين و انصاف فقد بان انه ليس في وقوعها شيء ينافي الدين و العصمة عند من له انصاف و دين و قد وقع أعظم منها لمن ملئ ايمانا من قرنه إلى قدمه و اختلط الايمان بلحمه و دمه و أقره عليه الرسول الأعظم و امره بالعود اليه إذا عادوا بل يمتنع صدور غيرها من امام له عصمة و لو صدر غيرها لكان طعنا على عصمته و دينه لانه يكون مخالفا لامر ربه بها و ملقيا بيده إلى التهلكة و كيف يقصد به النفاق ليكون شركا و كيف لا يعتقده قربة و هو من أعظم القربات. و ما ادعاؤه انه يقصد به النفاق الا نوع من النفاق.
و إذا كانت الرواية أمانة و التقية فيها افتراء على الشارع و كيدا للامة و كل سامع- كما يقول- فالشهادة بالوحدانية و الرسالة و نبذ الأصنام أ ليس هو أمانة و التقية فيها بإظهار انكار الوحدانية و مدح الأصنام التي جعلت شركاء لله تعالى و سب النبي (ص) و إظهار ان ذلك هو الحق الذي يجب اتباعه و ترك ما عداه أ ليست هي افتراء على الشارع و كيدا للامة و كل سامع فكيف رخص فيه و في الدوام عليه لعمار الذي ملئ ايمانا من فرقه إلى قدمه و اختلط الايمان بلحمه و دمه و لم يرخص لغيره فيما هو أهون منه. و لسنا ندري ما يريد بالكلمات التي يزعم انه لا يوجد بينها ان اماما كان يتقي في عبادته أو روايته أ هي كلمات أئمة أهل البيت أم كلمات غيرهم فان أراد الأولى فانا نحن شيعتهم و اتباعهم قد وجدنا بين كلماتهم ما يثبت ذلك رواه لنا الثقات عن الثقات بالطرق الصحيحة فاتبعناهم و اقتدينا بهم- و نعم القدوة هم- و ان أراد الثانية لم يكن ذلك دليلا على انتفائه و الامام لا يضع حديثا يراه باطلا- كما زعم- بل يستفتي فيفتي بخلاف رأيه حفظا لنفسه من أذى الظالمين فهل ذلك أعظم مما فعله عمار حتى يكون ذلك جائزا و هذا نفاقا لو لا النفاق و عدم الإنصاف.