أعيان الشيعة - الأمين، السيد محسن - الصفحة ١٧٨
ليس فيها إلا دعاوى مجردة من الدليل و دعاوى متناقضة و عبارات منمقة مزخرفة لا طائل تحتها و أمورا أكل الدهر عليها و شرب و افتراءات و فلسفات باردة و تأويلات فاسدة و سخافات و آراء كاسدة و تمحلات عن الحق حائدة و تفسيرات معوجة و مصادمات للبديهة و مخالفات لإجماع المسلمين و ضرورة الدين و حمل للآيات على ما لا مساس لها به و سباب و بث سموم كل هذا مع التكرير و التطويل بلا طائل و إعادة الكلام الواحد مرارا و مرارا كما ستطلع على ذلك كله. و لقد كانت بالاعراض عنها أحق لو لا انتشارها و أضرارها فاضطرتنا الحال إلى نقضها و بيان ما فيها من الخلل و الفساد. و من العجيب أنه كتب على ظهرها: هي أول تدبير في تأليف قلوب الأمة الشيعة و أهل السنة و الجماعة، هذا عذري في تأليف الكتاب لتاليف القلوب و في طبعه و نشره خالصا لوجه الله. مع أنها أول تدبير و آخره في تنفير القلوب و أعظم تدمير و تخريب لما بناه و يبنيه المصلحون. يؤلف هذه الوشيعة المخربة المدمرة و يطبعها له بعض الكتبيين المرتزقين في مصر و ينشرها طمعا بثمن بخس دراهم معدودة يبيع بها ائتلاف المسلمين و يوقد به نار العداوة بينهم و يجرح به عواطف مائة مليون من الشيعة بغير حق و يشتري به سخط الله و سخط عقلاء الأمة غير متاثم و لا متحرج ثم يقول المؤلف إنه أول تدبير في تأليف قلوب الأمة و انه كتبها لتاليف القلوب و طبعها و نشرها لوجه الله:
و رب سودا و اسمها فضة و كم تسمى عبد سوء سرور
و لو كان هؤلاء الأقوام المتحرشون بنا من بعيد عارفين قدر أنفسهم و واثقين بقوة حجتهم، و مخلصين في نواياهم لدعونا إلى ميدان المناظرة و قرع الحجة بالحجة، و الدليل بالدليل، فيعرف حينئذ الهجان من الهجين و الغث من السمين و المحق من المبطل و لو فعلوا لوجدونا سراعا إلى اجابة دعوتهم و لكنهم يرمون بالغيب من مكان سحيق و يصح فيهم قول المتنبي:
و إذا ما خلا الجبان بأرض طلب الطعن وحده و النزالا
و كانت قد وردتنا من العراق أسئلة موجهة من هذا الرجل- إذ كان نزيل دار السلام بغداد- لعلماء النجف الأشرف بتاريخ ٢١ ذي القعدة سنة ١٣٥٣ ه و ٢٥ فبراير سنة ١٩٣٥ م ثم أرسل هذه الأسئلة بعينها إلى علماء الكاظمية بتاريخ ٢٨ ذي القعدة سنة ١٣٥٣ ه و ٣ مارس سنة ١٩٣٥ م و هي عشرون سؤالا و طلب إلينا جماعة من فضلاء البلدين الجواب عنها، فحررنا أجوبتها و أرسلناها إليهم من دمشق بتاريخ ٢٣ من المحرم سنة ١٣٥٤ ه و لما أطلعنا على الوشيعة وجدناه قد أدرج فيه مضامين تلك الاسئلة دون أن يذكرها بعنوان السؤال فلم نجد بدا من نقض وشيعته، و الجواب عما فيها من نقده معتمدين في ذلك على الأدلة الصحيحة و البراهين الجلية لئلا يغتر بوشيعته بعض من ينظر إليها، فيتوهم صحة ما فيها، فتتسع شقة الخلاف التي نسعى في كل مواقفنا و مؤلفاتنا إلى تضييقها و بالآخرة إلى محوها و إبادتها. و أدرجنا في هذا النقض أجوبة تلك المسائل التي كنا حررناها، كما أدرج هو مسائله في وشيعته. هذا و قد وجدنا جماعة من فضلاء أخواننا السنيين ساخطين على وشيعته ناقمين على خطته فيها، شافهنا بعضهم بذلك مشافهة و راسلنا بعضهم مراسلة. فجاء نقضنا هذا بحمده تعالى كتابا وافيا بإثبات الحق في جل المسائل الخلافية و أهمها مع تفصيلها- و تفصيل أدلة الطرفين فيها و الله تعالى هو المستعان و عليه التكلان و منه التوفيق و التسديد و هو حسبنا و نعم الوكيل.
و قبل الشروع في نقض الوشيعة، نقدم مقدمة نذكر فيها ما وصل إلينا من أحوال مؤلفها.
من هو موسى جار الله مؤلف الوشيعة
هو رجل من أهل تركستان من بلاد روسيا يعبر عن نفسه في كتاباته و وشيعته، تارة بموسى جار الله و أخرى بموسى جار الله ابن فاطمة. و لا ندري وجه تلقيبه نفسه بجار الله أو تلقيب أبيه به و لا وجه اختياره الانتساب إلى أمه و الله تعالى يقول ادعوهم لآبائهم. و صرح في الوشيعة بأنه من متصوفة الإسلام و يظهر من ملامحه حينما زارنا بمنزلنا في الكوفة أواخر عام ١٣٥٢ أنه تجاوز الستين من عمره يلبس اللباس الافرنجي، و على رأسه قلنسوة من المخمل الأسود و هو كثير شعر الرأس و اللحية و قد وخطه الشيب، يحسن العربية الفصحى و الفارسية و التركية و لا بد أن يكون يحسن غيرها من اللغات الفرنجية و قد حضر المؤتمر الإسلامي المنعقد في القدس عام ١٣٥١ ه ثم جاء إلى العراق عام ١٣٥٢ ه ثم ذهب إلى ايران عام ١٣٥٣ ه، ثم عاد إلى العراق في تلك السنة و وجه الأسئلة المشار إليها إلى علماء النجف و الكاظمية، ثم سافر إلى مصر و ألف فيها وشيعته و طبعها عام ١٣٥٥ ه و هو باق في مصر إلى الآن عام ١٣٥٩ ه، و لسنا نعلم تفصيل أحواله، و لكننا نذكر شيئا منها مما أدرجه في أوائل الوشيعة و ما جرى لنا معه في الكوفة و طهران.
قال في أوائل الوشيعة: هاجرت بيتي و وطني في نهاية سنة ١٩٣٠ م هجرة اضطرارية، و كانت قد سدت علي كل طرق النجاة حتى آثرت مضطرا أوعر الطرق و أصعبها و أطولها فساقتني الأقدار من طريق التركستان الغربي إلى الأقطار الإسلامية، إلى التركستان الشرقي الصيني فالبامير فافغانستان و بقيت أربعة أشهر و زيادة على متون الخيول حتى وصلت إلى كابل و رأيت من كل عجائب الطبيعة و أعاجيب الأمم و الأحوال ما كان ينسيني الصعوبات التي كنت ألقاها أو أتورط فيها. و أصعب عذاب لا أكاد أنساه هو أني بايدي حرس كانت ترقبني و لا تتركني على اختياري في البحث و في الإقامة حيث أريد- و هذا يدل على أنه نفي من بلاده لأمور لعلها سياسية- و كان الأولى به بعد ما رأى ما حل بالإسلام و المسلمين و ما حل به نفسه أن لا يسعى بما يثير الفتن بينهم و يوغر الصدور و أن لا يدفن المحاسن و يجتهد في اختلاق المعائب و التعصب بالباطل. قال: أقمت بكابل في الانتظار أربعين يوما ضيفا عند حكومتها الكريمة، ثم فتح الله جل جلاله على وجهي أبواب السفر باشارة من جلالة الملك أعلى حضرت نادر شاه، فانتهزت ضرورة الاغتراب في اختيار السياحة بالبلاد الإسلامية، و قد كنت سحت من قبل في الهند و جزيرة العرب و مصر و كل بلاد تركيا و كل التركستان الغربي، إذ أنا طالب صغير قد فرغ من درس العلوم المعروفة في المدارس الثانوية و المدارس الدينية و دامت سياحتي في تلك المرة ستة أعوام كنت فيها في مختلف الأقطار الإسلامية إلا العراق و إلا الايران (كذا) و في هذه المرة الأخيرة أعدت سياحتي في كل الأقطار الإسلامية التي كنت فيها من قبل. أما سياحتي في البلاد العراقية و الإيرانية فقد دامت سنة و زيادة و كانت صعبة شديدة، ثم قال ذهبت في نهاية سنة ١٩٢٠ م إلى بخارى بعد ما استولت عليها البلاشفة بقوة عسكرية من أبنائنا- و هذا يدل على أنه من بلاد تركستان الروسية- ثم في سنة ١٩٢٧ م زرت المدينة المنورة و أقمت بالحرم النبوي عشرين يوما، ثم قال، جلت في بلاد الشيعة طولا و عرضا سبعة أشهر و زيادة و كنت أمكث في كل