أعيان الشيعة - الأمين، السيد محسن - الصفحة ١٦٤
و انما سبيل الزيارة الاعتبار بحال الموتى و تذكر مصير الزائر إلى ما صار اليه المزور ثم يدعو له بالمغفرة و يستشفع به إلى الله تعالى يسال الله المنفرد بالإعطاء و المنع بجاه ذلك الميت ان كان ممن يليق ان يستشفع به هذا قول إمامنا احمد بن حنبل و لما كان العوام في غاية البعد عن ادراك هذا المعنى منعناهم سدا للذريعة انتهى.
(و نقول) هذه الشهادة كالتي قبلها لا تنفع الوهابيين شيئا كما لم ينفع ما هو أعظم منها الخوارج على ما عرفت و ما تنفع الصلاة و الطهارة و الصيام و النهي عن المنكر و تنقية الحرمين مع استحلال دماء المسلمين و أموالهم و اخافتهم لسؤالهم الشفاعة ممن أعطاه الله الشفاعة بقولهم نسألك الشفاعة يا رسول الله كما لم تنفع الخوارج صلاتهم التي يحقر الصحابة صلاتهم عندها و طهارتهم التي أدت بنسائهم إلى الوسواس و سجودهم الذي اسودت له جباههم و تلاوتهم للقرآن و محافظتهم على أحكام الشرع و هم يكفرون المسلمين و يستحلون دماءهم و أموالهم و اعراضهم حتى مرقوا بذلك من الدين كما يمرق السهم من الرمية و لو تأمل صاحب المنار لعرف ان فيما نقله شهادة على الوهابيين لا لهم من تعذر الحج و الزيارة و عدم استيفائهما على ما ينبغي لمضايقة الوهابية لحجاج الآفاق في أمور حجهم و زيارتهم الا على مقتضى مذهبهم و ما الذي سوغ لهم مضايقة المسلمين في أمور اجتهادية نظرية ليست من ضروريات الدين و لا اجماعياته ان لم يكن الضرورة و الإجماع فيها على خلاف ما عليه الوهابيون (و اما) قوله في الاستواء بما نسب إلى مالك و موافقة المغاربة له فقد عرفت في الباب الأول انه لا يكاد يصح لأنه اما قول بالتجسيم أو المحال و أما حصره سبيل الزيارة في الاعتبار بحال الموتى و الدعاء بالمغفرة فهو في غير زيارة الأنبياء الذين في زيارتهم إكرامهم و أداء حقهم (و اما) قوله و يستشفع به إلى الله يسال الله بجاه ذلك الميت إلخ و ان ذلك مذهب الامام احمد فهو مناقض لما عليه الوهابية من ان الاستشفاع به و سؤال الله بجاهه كفر و شرك فهو اما تدليس أو رجوع عما هم عليه يحلونه عاما و يحرمونه عاما و هو كانكار عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب تكفير الوهابية لجميع المسلمين كما عرفت في الباب الأول و قد اعترف بذلك صاحب المنار بقوله: و ما نقله من كلام الأمير الوهابي في مسألة الاستشفاع معزوا إلى الامام احمد يظهر انه لم ينقل بحروفه فإنه لا يعرف عنه و لا عن الوهابية مثل هذا القول فيما نعلم انتهى.
(و أقول) الامام احمد في علمه و فضله لا بد ان يكون قائلا بهذا اما الأمير الوهابي فنطق بالحق من حيث لا يشعر و دعوى التحريف غير مسموعة.
و اعلم ان صاحب المنار كان مولعا في مجلته بذم السلطان عبد الحميد و الدولة العثمانية و الدعاية لشرفاء مكة و لعقد المؤتمرات في مكة المكرمة كما يعلم من مراجعة أعداد مجلته في ذلك العهد و مولعا بالدعاية إلى اتحاد المسلمين و ان تنتقد كل طائفة منهم و كل أهل مذهب طائفتهم و أهل مذهبهم خاصة و لكنه لم يوافق قوله فعله فما عتم ان نشر في مجلته المقالات السيئة في حق الشيعة في العراق و غيرها الموجبة لايغار الصدور و تفريق كلمة المسلمين مثل ان علماء النجف يجدون في إضلال العباد و نسبة قبائح كثيرة إليهم هم منها براء الأمر الذي دعانا يومئذ إلى تأليف رسالة سميناها (الحصون المنيعة) في رد ما جاء في المنار في حق الشيعة و لما طبعت كان الإقبال عليها شديدا في جميع الأقطار و لما وصلته لم يأت في ردها بدليل و لا برهان و لم يزد على قوله جدل بتمحل و مراء ظاهر و أمثال هذه من عباراته المنمقة التي لا ترجع إلى محصل نعم نشر في مجلته مقالة بعنوان البدع و الخرافات عند الشيعة و سرد فيها ما شاء من أقاويل و أباطيل و قال انها رسالة جاءته من سائح في البحرين و انه كان عزمه على عدم نشرها لمنفاتها ما يتوخاه من التأليف بين المسلمين لكن لما جاءته الحصون المنيعة نشرها اي حمله حب التشفي على نشرها مخالفا طريقته المثلى و قد اجبناه عنها برسالة سميناها (الشيعة و المنار «١» ثم لما أعطاه الله ما أراد من خلع السلطان عبد الحميد و قبض الاتحاديين على زمام الحكم صار يشنع عليهم و لما اعطي أمنيته في قيام شريف مكة ضد الدولة العثمانية في الحرب العامة و خروج الحجاز من يدها و اقامة الشريف ملكا عليه كان في جملة اتباع الشريف و أعوانه في مكة المكرمة و من أعظم المسبحين بحمده و الذي يحرقون له بخور الثناء كما قيل عنه ثم اتى سورية و كان في رحاب الأمير فيصل و من أعظم المقربين لديه حتى جعله رئيسا للمؤتمر السوري المعقود بدمشق و لم يزل على ذلك حتى أقيم الأمير فيصل ملكا على سورية و كانت وقعة ميسلون المشهورة التي انتهت بخروج الملك فيصل من سورية و خروج الأستاذ صاحب المنار منها إلى مقره في مصر و سفره إلى العواصم الأوربية و تاليفه الجمعيات و عقده المؤتمرات ثم قلب للملك حسين و أولاده ظهر المجن و صار ينشئ المقالات الطويلة العريضة في الأهرام و المنار و كوكب الشرق و غيرها في ذم الملك حسين و أولاده بأقبح الذم بما أوتيه من ذلاقة لسان و فصاحة بيان و يصفه بالظلم و انه ليس أهلا للخلافة و يطيل و يطنب في الاستدلال على ذلك و يدعو إلى الامام يحيى و يبرهن على انه هو الحقيق بالخلافة الإسلامية و الجدير بها دون الملك حسين و لم يكن في ذلك الحين ياتي على ذكر السلطان ابن سعود بحرف واحد ثم لما دخل الوهابية مكة صار يدعو إلى السلطان عبد العزيز بن سعود بما عنده من قوة جنان و فصاحة لسان و ذهب إلى مكة المكرمة بعد أخذ الوهابيين لها ثم قرأنا في الجرائد السورية ان السلطان ابن سعود امره بمغادرة الحجاز ثم انخرط في سلك الحزب السوري بمصر ثم تخالف مع أعضاء الحزب و صار يشنع عليهم و يشنعون عليه كل ذلك مما يوضح ما طبع عليه الأستاذ من التقلب و التلون و لا يمكن ان يعتذر عنه بأنه ظهر له فيمن قلب لهم ظهر المجن خلاف ما كان يعتقده فيهم لأنه عاشرهم و صحبهم أعواما يمكنه فيها معرفة خيرهم و شرهم و سرهم و جهرهم مع ما أوتيه من فطانة و كياسة و حنكة و دربة و لم يكن ليظهر له و هو بعيد عنهم ما خفي عليه و هو قريب منهم و الله تعالى وحده العالم بالسرائر المطلع على الضمائر و الحاكم بين عباده يوم فصل الخطاب.
و لنقطع الكلام على هذا القدر من الرد حامدين المولى تعالى على توفيقه لإكمال هذا الكتاب و كان الفراغ من تسويده في أواخر شهر رمضان المبارك سنة ١٣٤٦ من الهجرة بقرية شقرا من جبل عامل و وقع الفراغ من تبييضه و اعادة النظر فيه في أواسط ربيع الأول سنة ١٣٤٧ بمدينة دمشق المحمية و الحمد لله وحده و صلى الله على رسوله محمد و آله و سلم.
و تم طبعه في الثاني و العشرين من شهر ربيع الأول عام ١٣٤٧ ه بمطبعة ابن زيدون بدمشق و الحمد لله و صلى الله على رسوله محمد و آله و سلم.