أعيان الشيعة - الأمين، السيد محسن - الصفحة ١٦٣
يصرحون كما عرفته في الباب الأول بأنهم لا يلتزمون بمذهبه و لا بغيره إذا بان لهم دليل على خلافه كما انهم يصرحون على ما عرفت بكفر جميع من يخالفهم من المسلمين و استحلال دمه و ماله و الامام احمد بن حنبل بريء من ذلك.
قال بعض أعاظم العلماء في كتاب كتبه إلينا ما صورته: قال لي بمصر بعض من يدعي العلم بالحديث: ان كتب الحنابلة هي كتب الوهابية فما تنكر منها و ليس لك ان تؤاخذهم إلا بما تجده صريحا في كتبهم و لا عبرة بنقل الخصم «١» فقلت ما تقول في القرامطة قال كفار ملاحدة قلت انهم يزعمون ان مذهبهم مذهب أهل البيت و ان كتبهم كتبهم فهل تجد في كتب أهل البيت الا الحق و النور قال ان القرامطة كذبوا و هؤلاء نقلة التاريخ يثبتون كفر القرامطة و زورهم قلت و هل ترى قيام الحجة بنقل أهل التاريخ قال نعم فان الشافعي صرح في الرسالة بان نقلهم جماعة عن جماعة أحب اليه من نقل أهل الحديث واحدا عن واحد قلت إذا يجب ان تقبل مني من نقل المؤرخين المشاهدين للوهابية ما هو صريح في كفرهم فسكت فقلت له فعل المرء حجة و دليل عليه و ان كذبه لسانه فالقرامطة لما استحلوا دماء المسلمين و أموالهم لم تبق شبهة في كفرهم و كذلك سادتك فغضب و لم يدر ما يقول فقلت ما تقول فيما ورد في الخوارج و مروقهم و انهم كلاب النار و شر قتلى تحت أديم السماء و غير ذلك قال ان المجموع يفيد العلم القطعي بمروق الخوارج و استحقاقهم غضب الله و لكنهم هم الذين قتلهم علي بالنهروان و ليس الوهابية منهم قلت بم استحق أولئك غضب الله أ بكونهم يحقر الصحابة صلاتهم في جنب صلاتهم و صيامهم في جنب صيامهم قال لا قلت أ بسبب زهدهم و تقشفهم قال لا قلت بقولهم من قول خير البرية و بقراءتهم القرآن يقومونه كالقدح قال لا قلت إذا فبما ذا فتلعثم فقلت ما ذاك الا باستحلالهم دماء المسلمين و أموالهم و تكفيرهم لهم مع ادعائهم انهم هم المسلمون وحدهم و لا شك ان من اتصف بما اتصفوا به يستحق ما استحقوا بتلك الصفة انتهى.
و قد ظهر بذلك أيضا فساد أقوال من يريدون تبرير اعمال الوهابية و انكار فظائعهم بان الحامل لأهل عصرهم على نقل ما نقلوه عنهم و على ذمهم هو السياسة و الانتصار لدولة الترك و أشراف مكة فنسبوا إليهم الفظائع في مكة و المدينة و كربلاء و غيرها لينفروا الناس منهم فانك قد عرفت فيما ذكرناه في تاريخهم و غيره من هذا الكتاب ان فظائعهم و أعمالهم في تلك الأماكن أصبحت معروفة متواترة كتواتر وجود مكة و المدينة و كربلاء و الوهابية و ليست قابلة للشك و الإنكار و كذا تكفيرهم المسلمين و استحلالهم أموالهم و دماءهم و جعلهم غزوهم جهادا في سبيل الله و بلادهم دار حرب أصبح غير قابل للاعتذار بعد تصريحهم به فيما نشروه من كتبهم المطبوعة التي نقلنا عباراتها و أشرنا إلى صفحاتها فيما مر.
(الرابع) في بعض تمويهات صاحب المنار في انتصاره للوهابية.
قال في مقالاته (الوهابيون و الحجاز) تحت عنوان (شهادة التاريخ للوهابية): نكتفي بشهادتين عادلتين لمؤرخين كبيرين نقلا عن العدول المعاصرين لظهور الوهابية.
الشهادة الأولى
ذكر الجبرتي في تاريخه في حوادث سنة ١٢٢٧ نقلا عن بعض أكابر جيش محمد علي باشا الذين قاتلوا الوهابية في الحجاز انه قال له بعض أكابرهم ممن يدعي الصلاح و التورع اين لنا بالنصر و أكثر عساكرنا على غير الملة أو من لا يتدين بدين و معنا صناديق المسكرات و لا يسمع في عسكرنا أذان و لا تقام فيه فريضة و القوم إذا دخل الوقت أذن المؤذنون و اصطفوا خلف إمام واحد بخشوع و خضوع و إذا حضرت الصلاة و الحرب قائم أذنوا و صلوا صلاة الخوف و عسكرنا يتعجبون من ذلك لأنهم لم يسمعوا به فضلا عن رؤيته و ينادون هلموا إلى حرب المشركين المحلقين الذقون المستبيحين الزنا و اللواط الشاربين الخمور التاركين للصلاة الآكلين الربا القاتلين الأنفس المستحلين المحرمات و كشفوا عن قتلى العسكر [فوجودهم] فوجدوهم غير مختونين انتهى.
و هذه الشهادة التاريخية التي تبجح بها صاحب المنار لا تزيد عن شهادة النبي (ص) للخوارج امام الصحابة بأنهم يحقرون صلاتهم مع صلاة الخوارج و باسوداد جباههم من كثرة السجود مع كونهم من كلاب النار و قتلاهم شر القتلى تحت أديم السماء و حال الوهابية مع عسكر مصر التي شهد بها التاريخ لا تزيد عن حال الخوارج مع أهل الشام التي شهد بها التاريخ أيضا حين قال لهم الخوارج ما تقولون في القرآن قالوا نضعه في الجوالق قالوا فما تقولون في اليتيم قالوا نأكل ماله و نفجر بامه فهل نفعت هذه الشهادة التاريخية الخوارج حتى تنفع الوهابية قال:
الشهادة الثانية
ما جاء في كتاب الاستقصاء لأخبار دول المغرب الأقصى للشيخ احمد الناصري السلاوي و خلاصته انه في سنة ١٢٢٦ انفذ السلطان المولى سليمان سلطان فاس ولده المولى إبراهيم لأداء فريضة الحج و أرسل معه جواب كتاب صاحب الحجاز عبد الله بن سعود الوهابي فكان سببا لتسهيل الأمر عليهم و انهم حجوا و زاروا على حين تعذر ذلك و عدم استيفائه على ما ينبغي لاشتداد شوكة الوهابيين و مضايقتهم لحجاج الآفاق في أمور حجهم و زيارتهم الا على مقتضى مذهبهم و انه حدث جماعة ممن حج مع المولى إبراهيم انهم ما رأوا من ابن سعود ما يخالف ما عرفوه من ظاهر الشريعة و انما شاهدوا منه و من اتباعه القيام بشعائر الإسلام من صلاة و طهارة و صيام و نهي عن المنكر و تنقية الحرمين من القاذورات و الآثام التي كانت تفعل و ان حاله كحال آحاد الناس في زيه و مركوبه و لباسه و انه أظهر التعظيم للمولى إبراهيم الواجب لأهل البيت و جلس معه كجلوس أحد أصحابه و كان المتولي للكلام معه القاضي فقال له القاضي بلغنا انكم تقولون بالاستواء الذاتي المستلزم لجسمية المستوي فقال معاذ الله انما نقول كما قال مالك (الاستواء معلوم و الكيف مجهول و السؤال عنه بدعة) قالوا و بهذا نقول نحن قال له و بلغنا انكم تقولون بعدم حياة النبي و باقي الأنبياء في قبورهم فارتعد و رفع صوته بالصلاة عليه و قال معاذ الله انما نقول انه حي في قبره و كذا باقي الأنبياء حياة فوق الشهداء قال و بلغنا انكم تمنعون من زيارته و زيارة الأموات مع ثبوتها في الصحاح فقال معاذ الله ان ننكر ما ثبت في شرعنا و هل منعناكم أنتم لما عرفنا انكم تعرفون كيفيتها و آدابها و انما نمنع منها العامة الذين يشركون العبودية بالألوهية و يطلبون من الأموات قضاء أغراضهم التي لا تقضيها الا الربوبية