أعيان الشيعة - الأمين، السيد محسن - الصفحة ١٥٨
العواتق من خدورهن و قالوا بعث رسول الله (ص) فما رؤي بالمدينة بعده (ص) أكثر باكيا و باكية من ذلك اليوم قال و قال الحافظ عبد الغني و غيره لم يؤذن بلال بعد النبي (ص) الا مرة واحدة في قدومه المدينة لزيارة قبر النبي (ص) و قال قال السبكي ليس اعتمادنا على رؤيا المنام فقط بل على فعل بلال سيما في خلافة عمر و الصحابة متوافرون و لا تخفى عنهم هذه القصة و رؤيا بلال النبي (ص) مؤكدة لذلك (قال) و قد استفاض عن عمر بن عبد العزيز انه كان يبرد البريد من الشام يقول سلم لي على رسول الله (ص) و ذلك في زمن صدر التابعين و ممن ذكر ذلك عنه الامام أبو بكر بن عمرو بن عاصم النبيل و وفاته في المائة الثالثة قال في مناسكه و كان عمر بن عبد العزيز يبعث بالرسول قاصدا من الشام إلى المدينة ليقرئ النبي (ص) السلام ثم يرجع قال و في فتوح الشام ان عمر لما صالح أهل بيت المقدس و قدم عليه كعب الأحبار و أسلم و فرح بإسلامه قال له هل لك ان تسير معي إلى المدينة و تزور قبر النبي (ص) و تتمتع بزيارته فقال نعم و لما قدم عمر المدينة كان أول ما بدأ بالمسجد و سلم على رسول الله (ص) و قال في موضع آخر «١» كانت الصحابة يقصدون النبي (ص) قبل وفاته للزيارة و هو (ص) حي في الدارين بل روى احمد باسنادين أحدهما برجال الصحيح عن يعلى بن مرة من حديث قال فيه ثم سرنا فنزلنا منزلا فنام النبي (ص) فجاءت شجرة تشق الأرض حتى غشيته ثم رجعت إلى مكانها فلما استيقظ ذكرت له فقال هي شجرة استأذنت ربها عز و جل ان تسلم على رسول الله فاذن لها فإذا كان هذا حال شجرة فكيف بالمؤمن المأمور بتعظيم هذا النبي الكريم الممتلئ بالشوق اليه و حديث حنين الجذع ذكر في محله انتهى و مر قول الغزالي يجوز شد الرحال لزيارة من يتبرك به بعد موته.
بقي الكلام في ان جواز زيارة القبور مخصوص بالرجال أو عام لهم و للنساء. قد عرفت في الفصل الحادي عشر ورود بعض الروايات في لعن زائرات القبور أو زوارات القبور و هذه الأخبار بعد تسليمها فقد عرفت القدح في سندها بالضعف و في متنها بالاضطراب في ذلك الفصل محمولة على الكراهة لتخصيص اللعن فيها بالزائرات أو الزوارات دون الزائرين فان زيارة القبور جائزة عند الوهابية بدون شد الرحال كما عرفت فلم يبق وجه لتخصيص اللعن بالزائرات الا الكراهة لمنافاتها لكمال الستر المطلوب في المرأة سيما على رواية زوارات بصيغة المبالغة الدالة على ان المنهي عنه كثرة الزيارة التي لا تناسب شدة طلب الستر في النساء و لو حمل على ان ذلك كان قبل نسخ النهي عن زيارة القبور على ما مر كما توهم بعضهم لنافاه التعبير بالزائرات أو الزوارات لأن النسخ ان كان ففي الرجال و النساء و احتمال بقائهن تحت النهي كما حكاه السندي في حاشية سنن النسائي لقلة صبرهن و استقربه هو بعيد جدا مناف للسيرة و عمل المسلمين و قاعدة الاشتراك بين الرجال و النساء في الأحكام.
قال العزيزي في شرح الجامع الصغير «٢». عند شرح قوله (ص) (لعن الله زوارات القبور) قال العلقمي قال الدميري قال صاحب المهذب و البيان من أصحابنا لا يجوز للنساء زيارة القبور لظاهر هذا النهي قال النووي و قولها شاذ في المذهب و الذي قطع به الجمهور انها مكروها كراهة تنزيه انتهى و يدل على جواز زيارة النساء للقبور بل استحباب زيارتهن قبور الأنبياء و الشهداء ما في وفاء الوفا «٣». روى ابن أبي شبة عن أبي جعفر ان فاطمة بنت رسول الله (ص) كانت تزور قبر حمزة ترمه و تصلحه و قد تعلمته بحجر (و روى) رزين عنه ان فاطمة كانت تزور قبور الشهداء بين اليومين و الثلاثة (و رواه) يحيى بنحوه عن أبي جعفر عن أبيه علي بن الحسين و زاد فتصلي هناك و تدعو و تبكي حتى ماتت (و روى) الحاكم عن علي ان فاطمة كانت تزور قبر عمها حمزة كل جمعة فتصلي و تبكي عنده انتهى وفاء الوفا (و يظهر) ان الوهابية بعد ما أباحوا للنساء زيارة القبور في العام الماضي منعوهن منها في هذا العام فقد أخبرنا الحجاج ان النساء منعت من الدخول إلى البقيع في هذا العام بدون استثناء و كأنهم بنوا على هذا الاحتمال الضعيف الذي ذكره السندي و قال به صاحب المهذب و البيان من بقائهن تحت النهي فظهرت لهم صحته هذا العام بعد ما خفيت عنهم في العام الأول" يمحو الوهابية ما يشاءون و يثبتون و عندهم أم الكتاب" لسنا نعارضهم في اجتهادهم أخطأوا فيه أم أصابوا و لكنا نسألهم ما الذي سوغ لهم حمل المسلمين على اتباع اجتهادهم المحتمل الخطا و الصواب بل هو إلى الخطا أقرب لمخالفته لما قطع به الجمهور و لم يقل به الا الشاذ كما سمعت و الأمور الاجتهادية لا يجوز المعارضة فيها كما بيناه في المقدمات و ما بالهم يسلبون المسلمين حرية مذاهبهم في الأمور الاجتهادية و يحملونهم على اتباع معتقداتهم فيها بالسوط و السيف (كما زادوا في طنبور تعنتهم هذه السنة نغمات فعاقبوا الناس على البكاء عند زيارة قبر النبي (ص) أو أحد القبور و منعوهم منه و البكاء امر قهري اضطراري لا يعاقب الله عليه و لا يتعلق به تكليف لاشتراط التكليف بالقدرة عقلا و نقلا و منعوا من القراءة في كتاب حال الزيارة و من إطالة الوقوف فمن رأوا في يده كتاب زيارة أخذوه منه و مزقوه أو أحرقوه و ضربوا صاحبه و أهانوه و من أطال الوقوف طردوه و ضربوه (حدثني) بعض الحجاج الثقات انه تحيل لقراءة الزيارة من الكتاب بان فصل أوراقا منه و جعلها في القرآن و جلس يظهر قراءة القرآن و يزور فاتفق انه أشار غفلة بالسلام نحو قبر النبي (ص) فدفعوه حتى أخرجوه من المسجد و أخذوا تلك الأوراق و مزقوها و أمثال هذا مما صدر منهم في حق الحجاج في مسجدي مكة و المدينة و مسجد الخيف [] و البقيع و غيرها مما سمعناه متواترا من الحجاج كثير يطول الكلام بنقله.
استدراك
لما فاتنا ذكره في محله من هذا الكتاب و لم نعثر عليه الا بعد الطبع فذكرناه هنا على ترتيب مواضعه في الكتاب.
[١] مما يتعلق بحياة الشهداء و المؤمنين ما في وفاء الوفا «٤». انه ذكر ابن تيمية في اقتفاء الصراط المستقيم كما نقله ابن عبد الهادي ان الشهداء بل كل المؤمنين إذا زارهم المسلم و سلم عليهم عرفوا به و ردوا عليه السلام انتهى.
[٢] مما يتعلق برد من قال من الوهابيين ان المراد بنجد المذمومة في الأخبار هي