أعيان الشيعة - الأمين، السيد محسن - الصفحة ١٤٦
(أما) علماء أهل السنة فاختلفوا في جوازه و استحبابه و كراهته و لكن من كرهه انما كرهه بزعم منافاته للأدب كما ستعرف قال السمهودي في وفاء الوفا «١».
قال النووي لا يجوز ان يطاف بقبره (ص) و يكره إلصاق البطن و الظهر [يجدار] بجدار القبر قاله الحليمي و غيره قال و يكره مسحه باليد و تقبيله بل الأدب ان يبعد منه كما يبعد منه لو حضر في حياته هذا هو الصواب الذي أطبق عليه العلماء و من خطر بباله ان المسح باليد و نحوه أبلغ في البركة فهو من جهالته و غفلته لأن البركة انما هي فيما وافق الشرع و أقوال العلماء و في الأحياء مس المشاهد و تقبيلها عادة النصارى و اليهود و قال الزعفراني وضع اليد على القبر و مسه و تقبيله من البدع التي تنكر شرعا و روي ان أنس بن مالك رأى رجلا وضع يده على قبر النبي (ص) فنهاه و قال ما كنا نعرف هذا على عهد رسول الله (ص) و قد أنكره مالك و الشافعي و احمد أشد الإنكار و قال بعض العلماء ان قصد بوضع اليد مصافحة الميت يرجى ان لا يكون به حرج و متابعة الجمهور أحق و في تحفة ابن عساكر ليس من السنة ان يمس جدار القبر المقدس و لا ان يقبله و لا يطوف كما يفعل الجهال بل يكره ذلك و لا «٢» يجوز و الوقوف من بعد أقرب إلى الاحترام ثم روى من طريق أبي نعيم بسنده ان ابن عمر كان يكره ان يكثر مس قبر النبي (ص) قال البرهان بن فرحون بعد ذكره و هذا تقييد لما تقدم و هو عن ابن عمر في القبر نفسه فالجدر الظاهرة أخف إذا لم يكثر منه و عن تأليف ابن تيمية قيل لأحمد ابن حنبل انهم يلصقون بطونهم بجدار القبر و أهل العلم من أهل المدينة لا يسمونه و يقومون ناحية و يسلمون فقال نعم هكذا كان ابن عمر يفعل و قال أبو بكر الأثرم قلت لأحمد بن حنبل قبر النبي (ص) يلمس و يتمسح به قال لا أعرف هذا قلت فالمنبر قال اما المنبر فنعم قد جاء فيه شيء يروونه عن ابن أبي فديك عن ابن أبي ذئب عن ابن عمر انه مسح المنبر و يروونه عن سعيد بن المسيب في الرمانة اي رمانة المنبر قبل احتراقه و يروى عن يحيى بن سعيد شيخ مالك انه حيث أراد الخروج إلى العراق جاء إلى المنبر فمسحه و دعا فرأيته استحسن «٣» ذلك قال السروجي الحنفي لا يلصق بطنه بالجدار و لا يمسه بيده و عن كتاب احمد بن سعيد الهندي فيمن وقف بالقبر و لا يلصق به و لا يمسه و لا يقف عنده طويلا و قال ابن قدامة من الحنابلة لا يستحب التمسح بحائط قبر النبي (ص) و لا يقبله و حكى العز بن جماعة عن كتاب العلل و السؤالات لعبد الله بن احمد بن حنبل سالت أبي عن الرجل يمس منبر رسول الله (ص) و يتبرك بمسه و يقبله و يفعل بالقبر مثل ذلك رجاء ثواب الله تعالى قال لا بأس قال العز بن جماعة هذا يبطل ما نقل عن النووي من الإجماع و قال السبكي في الرد على ابن تيمية ان عدم التمسح بالقبر ليس مما قام الإجماع عليه فقد روى أبو الحسين يحيى بن الحسين بن جعفر في اخبار المدينة عن عمر بن خالد عن أبي نباته عن كثير بن زيد عن عبد المطلب بن عبد الله بن حنطب اقبل مروان بن الحكم فإذا رجل ملتزم القبر فاخذ مروان برقبته ثم قال هل تدري ما تصنع فقال نعم اني لم آت الحجر و لم آت اللبن انما جئت رسول الله (ص) سمعت رسول الله (ص) يقول لا تبكوا على الدين إذا وليه اهله و لكن ابكوا عليه إذا وليه غير اهله قال المطلب و ذلك الرجل أبو أيوب الأنصاري و قال السمهودي في مقام آخر «٤» رواه احمد بسند حسن عن عبد الملك بن عمرو عن كثير بن زيد عن داود بن أبي صالح و ذكر مثله الا انه لم يذكر و اللبن (قال) و رواه الطبراني في الكبير و الأوسط و تقدم في المبحث الثاني تمريغ بلال وجهه على القبر لما جاء لزيارته (ص) (قال) و في تحفة ابن عساكر من طريق طاهر بن يحيى الحسيني عن أبيه عن جده عن جعفر بن محمد عن أبيه عن علي قال لما رمس رسول الله (ص) جاءت فاطمة فوقفت على قبره و أخذت قبضة من تراب القبر و وضعتها على عينها و بكت و انشات تقول:
ما ذا على من شم تربة احمد ان لا يشم مدى الزمان غواليا
صبت علي مصائب لو انها صبت على الأيام عدن لياليا
قال و ذكر الخطيب ابن حملة ان ابن عمر كان يضع يده اليمنى على القبر الشريف و ان بلالا وضع خده عليه (إلى ان قال) و لا شك ان الاستغراق في المحبة يحمل على الاذن في ذلك و المقصود من ذلك كله الاحترام و التعظيم و الناس تختلف مراتبهم في ذلك كما كانت تختلف في حياته فاناس حين يرونه لا يملكون أنفسهم بل يبادرون اليه و أناس فيهم اناة و الكل محل خير و قال الحافظ ابن حجر استنبط بعضهم من مشروعية تقبيل الحجر الأسود جواز تقبيل كل من يستحق التعظيم من آدمي و غيره (إلى ان قال) و نقل عن ابن أبي الصيف اليماني أحد علماء مكة من الشافعية جواز تقبيل المصحف و اجزاء الحديث و قبور الصالحين و نقل الطيب الناشري عن المحب الطبري انه يجوز تقبيل القبر و مسه قال و عليه عمل العلماء الصالحين و انشد:
امر على الديار ديار ليلى اقبل ذا الجدار و ذا الجدارا
و ما حب الديار شغفن قلبي و لكن حب من سكن الديارا
و عن أبي خيثمة عن مصعب بن عبد الله عن إسماعيل بن يعقوب التيمي كان ابن المنكدر يصيبه الصمات فكان يقوم كما هو يضع خده على قبر النبي (ص) فعوتب في ذلك فقال انه يصيبني خطرة فإذا وجدت ذلك استشفيت بقبر النبي (ص) و كان ياتي موضعا من المسجد في الصحن فيتمرغ فيه و يضطجع فقيل له في ذلك فقال اني رأيت النبي (ص) في هذا الموضع أراه قال في النوم انتهى ما أردنا نقله من وفاء الوفا و بذلك ظهر ان جملة ممن كره إلصاق البطن و الظهر و المسح باليد أو إكثاره و التقبيل و إطالة الوقوف انما قال به لمنافاته الأدب و الاحترام بزعمه كما يدل عليه قول الحليمي بل الأدب ان يبعد منه إلخ و قول ابن عساكر و الوقوف من بعد أقرب إلى الاحترام و ما حكي عن ابن عمر من كراهته إكثار المس لا أصل المس فكأنه رأى ان في إكثار المس سوء أدب و كذا إطالة الوقوف التي في كتاب الهندي لا لكونه عبادة و كيف يتوهم فيما جعل منافيا للاحترام انه عبادة و بعضهم كرهه لزعم انه بدعة كما في كلام الزعفراني و يدل عليه قول مالك ما كنا نعرف هذا على عهد رسول الله (ص) و قول ابن عساكر ليس من السنة و قول احمد هكذا كان ابن عمر يفعل و قول الغزالي انه عادة النصارى و اليهود و غير ذلك من كلماتهم و كذلك منع الطواف به لزعم انه بدعة أو لشبهه بالطواف بالكعبة المشرفة و كيف كان فليس في شيء من كلماتهم انه عبادة للقبر كما تزعمه الوهابية (و التحقيق) انه لا كراهة و لا تحريم في شيء من ذلك إذ لا يقصد به سوى التبرك و هو جائز و راجح إذ لا يشك مسلم بان القبر الذي حوى جسد النبي (ص) مبارك قد نالته بركة جسده الشريف سيما إذا قلنا بحياته البرزخية في قبره التي لا تنكرها الوهابية كما مر في المقدمات و إذا كان كذلك فلا مانع من التبرك بقبره الشريف بجميع أنواع التبرك من تقبيل و لمس و إلصاق بدن