أعيان الشيعة - الأمين، السيد محسن - الصفحة ١٣١
انه لا دليل على الوقف و التسبيل و انه يجب حمل البانين على الصحة حتى يعلم الفساد و لم يعلم و حينئذ فيكون الهدم محرما لأنه تصرف في مال الغير بغير إذنه اما ما أيد به النووي من قوله و لا قبرا مشرفا الا سويته فلا تأييد فيه لما عرفت من ان المراد به النهي عن التسنيم و عدم جواز إرادة الهدم من التسوية و من ذلك يظهر ان استشهاد بعض الوهابيين في رسالة الفواكه العذاب بقول النووي قال الشافعي في الأم إلخ شاهد عليه لا له فان الشافعي يقول بكراهة البناء إذا كان في ملكه و الوهابيون يحرمونه مطلقا و قد استشهد صاحب الرسالة أيضا بكلام الأذرعي و ابن كج الذي لا يرجع إلى دليل غير مجلد التهويل بقوله انه مضاهاة للجبابر و الكفار و أي فائدة في قال فلان و قال فلان (و مما) مر و ياتي يظهر الجواب عن المحكي عن عمر من أمره بتنحية القبة (اي الخيمة) عن القبر و قوله دعوه يظله عمله فإنه بعد تسليم ثبوته و حجيته محمول على الكراهة أو صورة عدم النفع فيكون تضييعا للمال كما يرشد اليه قوله دعوه يظله عمله أي لا نفع له في ذلك و انما ينفعه عمله و يعارضه ما مر في الباب الثاني و ياتي في فصل اتخاذ المساجد من رواية البخاري انه [لم] لما مات الحسن بن الحسن ضربت امرأته القبة على قبره سنة.
(رابعا) ان هذه الأحاديث مع الغض عن ضعف أسانيدها و دلالتها و اضطراب متنها منصرفة إلى غير ما يكون تعميره و تشييده و البناء فوقه من تعظيم شعائر الله و حرماته لكون صاحبه نبيا أو وليا أو صالحا و لكونها بنيت لمصالح في الدين مهمة (منها) ان تكون علامة و منارا للقبر الذي ندب الشرع إلى زيارته كما ياتي في فصل الزيارة و حفظا له عن الاندراس (و قد) علم رسول الله (ص) قبر عثمان بن مظعون بصخرة وضعها عليه (روى) ابن ماجة «١»
بسنده عن انس بن مالك ان رسول الله (ص) أعلم قبر عثمان بن مظعون بصخرة (قال السندي) في الحاشية اي وضع عليه الصخرة ليتبين بها و في الزوائد هذا اسناد حسن و له شاهد من حديث المطلب بن أبي وداعة رواه أبو داود (انتهى) و في وفاء الوفا «٢» روى أبو داود بإسناد حسن عن المطلب بن عبد الله بن حنطب عن بعض الصحابة لما مات عثمان بن مظعون و دفن أمر النبي (ص) رجلا ان ياتي بحجر فلم يستطع حمله فقام اليه رسول الله (ص) و حسر عن ذراعيه (قال الراوي) كاني انظر إلى بياض ذراعي رسول الله (ص) حين حسر عنهما ثم حمله فوضعه عند رأسه و قال أتعلم به قبر أخي و أدفن اليه من مات من اهلي (قال) و رواه ابن شبة و ابن ماجة و ابن عدي عن انس و الحاكم عن أبي رافع و روى قبل ذلك عن محمد بن قدامة عن أبيه عن جده لما دفن النبي (ص) عثمان امر بحجر فوضع عند رأسه (الحديث) ثم حكى عن عبد العزيز بن عمران انه قال سمعت بعض الناس يقول كان عند رأس عثمان بن مظعون و رجليه حجران (و هو) يرشد إلى جواز فعل كل ما يكون علامة و منارا للقبر (قال) و عن شيخ من بني مخزوم يدعى عمر قال كان عثمان بن مظعون أول من مات من المهاجرين فلحد له رسول الله (ص) و فضل حجر من حجارة لحده فحمله رسول الله (ص) فوضعه عند رجليه فلما ولي مروان بن الحكم المدينة مر على ذلك الحجر فأمر به فرمي به و قال و الله لا يكون على قبر عثمان بن مظعون حجر يعرف به فاتته بنو امية فقالوا بئسما صنعت عمدت إلى حجر وضعه النبي (ص) فرميت به بئسما ما عملت فمر به فليرد فقال اما و الله إذ رميت به فلا يرد ثم قال «٣» و روى ابن زبالة عن ابن شهاب و غيره ان رسول الله (ص) جعل أسفل مهراس «٤»
علامة على قبر عثمان بن مظعون ليدفن الناس حوله (إلى ان قال) فلما استعمل معاوية مروان بن الحكم على المدينة حمل المهراس فجعله على قبر عثمان انتهى (و كفى) بهذا الفعل دليلا على ما كان عليه مروان من الاستهانة بالدين و كان الوهابية في هدمهم قبور الأئمة و الصحابة و الصالحين أرادوا الاقتداء به (و ياتي) في فصل الزيارة رواية ان فاطمة بنت رسول الله (ص) كانت تزور قبر حمزة ترمه و تصلحه و قد تعلمته بحجر و ذلك يدل على استحباب مرمة القبر و حفظه من الاندراس و عمل ما يكون علامة و دليلا عليه فإذا ثبت استحباب ذلك فكلما كان أبلغ في حفظه و عدم اندراسه كبناء القبة عليه كان أولى بالاستحباب فان هذا بمنزلة العلة المنصوصة و منه يعمل ان القبور يمتاز بعضها عن بعض بامتياز أصحابها في الدين و عدم بناء القباب و نحوها في ذلك العصر للعسر الحاصل للمسلمين و احتياجهم إلى صرف الأموال ان وجدت فيها هو أهم من الجهاد و اعاشة المسلمين فلا يقاس به العصر المتأخر عن ذلك الذي اتسعت فيه أحوال المسلمين (و كما) كان النبي (ص) و أصحابه يقنعون من العيش بالبلغة و بيوتهم لاطئة مبنية باللبن و سعف النخل و مسجده المعظم عريش كعريش موسى و خطبته في الجمعة و العيد أولا إلى جذع ثم عمل له منبر و لم يكن المنبر يمتاز كثيرا عن الجذع بغير الهيئة فلما قويت شوكة الإسلام و اتسعت حال المسلمين و استولوا على كنوز كسرى و قيصر تغيرت حالهم في اللباس و المأكل و المشرب و المسكن و وسعوا المسجدين النبوي و المكي و أجادوا بناءهما و بناء الحجرة الشريفة و سائر المساجد و لم يكونوا بشيء من ذلك عاصين و لا مبدعين كذلك بنوا على قبور عظماء الدين تعظيما لشأنهم كما فهموه من أحكام دينهم تصريحا و تلويحا. و لو سلمت الكراهة في سائر القبور لا تسلم في قبور الأنبياء و عظماء الشهداء كحمزة سيد الشهداء (و منها) ان تكون حفظا للقبر الذي ثبتت حرمته في الشرع عن دخول الدواب و الكلاب و وقوع القاذورات عليه (و القبور) الشريفة اليوم في البقيع و غيره بعد ما ارتكبه الوهابيون من الأعمال الوحشية في حقها معرض لذلك كله.
(و منها) استظلال الزائرين بها من الحر و القر عند إرادة الزيارة و الصلاة بجانبها التي ثبت رجحانها بشرف المكان و الدعاء عندها و قراءة القرآن الذي ثبت انه أرجى للاجابة و أوفر في الثواب ببركتها و بركة من حل فيها و التدريس فيها و إلقاء المواعظ و غير ذلك من الفوائد فهي بهذا الاعتبار داخلة في المواضع المعدة للطاعات كالمساجد و المدارس و الرباطات (و منها) ان في بنائها و تشييدها تعظيما لشعائر الإسلام و إرغاما لمنكريه.
(خامسا) انها مع الغض عما ذكر مهجورة متروكة لم يعمل بها أحد من المسلمين قبل الوهابية و من ضارعهم من عهد الصحابة إلى يومنا هذا و ما هذا