أعيان الشيعة - الأمين، السيد محسن - الصفحة ١٢٦
جميع جهات الدنيا (و أجاب) بانك ان أردت الإنصاف و تركت متابعة الأسلاف و عرفت ان الحق ما قام عليه الدليل لا ما اتفقت عليه العوالم جيلا بعد جيل فاعلم ان هذه الأمور صادرة عن العامة الذين إسلامهم تقليد الآباء بلا دليل و لا يسمعون من أحد عليهم من نكير بل ترى من يتسم بالعلم و يدعي الفضل و ينتصب للقضاء و الفتيا و التدريس أو الولاية أو المعرفة أو الامارة و الحكومة معظما لما يعظمونه مكرما ما يكرمونه و لا يخفى ان سكوت العالم أو العالم على وقوع منكر ليس دليلا على جوازه (قال) و لنضرب لك مثلا المكوس المعلوم من ضرورة الدين تحريمها قد ملأت الأرض حتى في أشرف البقاع أم القرى تقبض المكوس من القاصدين لأداء فريضة الإسلام و سكانها من العلماء و الحكام ساكتون (قال) و هذا حرم الله أفضل بقاع الدنيا بالاتفاق و إجماع العلماء أحدث فيه بعض ملوك الشراكسة هذه المقامات الأربعة التي فرقت عبادات المسلمين و صيرتهم كالملل المختلفة بدعة قرت بها عين إبليس و صيرت المسلمين ضحكة للشياطين و قد سكت الناس عليها و وفد علماء الآفاق و الأبدال و الأقطاب إليها أ فهذا السكوت دليل على جوازها هذا لا يقوله من له إلمام بشيء من المعارف كذلك سكوتهم على هذه الأشياء الصادرة من القبوريين (إلى ان قال) ما حاصله: لو فرض انهم علموا بالمنكر و سكتوا لما دل سكوتهم على جوازه لأن مراتب الإنكار ثلاثة إذا تعذرت واحدة وجبت الأخرى. الإنكار باليد ثم باللسان ثم بالقلب فإذا مر عالم بمن يأخذ المكوس لم يستطع الإنكار باليد و لا باللسان فيجب على من رآه ساكتا ان يعتقد انه أنكر بقلبه فان حسن الظن بالمسلمين أهل الدين و التأويل لهم ما أمكن واجب فالداخلون إلى الحرم الشريف و المشاهدون لمقامات المذاهب الأربعة معذورون عن الإنكار الا بالقلب كالمارين على المكاسين و القبوريين فهذه الأمور أسسها من بيده السيف و دماء العباد و أموالهم و اعراضهم تحت لسانه و قلمه فكيف يقوى أحد على دفعه انتهى (و فيه) اعتراف بوقوع السيرة على أكمل وجوهها و أتمها بحيث لم يقع في الإسلام سيرة مثلها بما اختصرناه من عبارته فضلا عما أطال به من باقي عباراته المسجعة كعادته و عادة أصحابه الوهابية و قد اعترف في جوابه بوقوع ذلك من جميع طبقات الناس من العوام و العلماء و الفضلاء و القضاة و المفتين و المدرسين و الأولياء و العارفين و الأمراء و الحكام بدون نكير و لم يخرج عنه باعترافه طبقة من الطبقات فاي سيرة أقوى من هذه و أشمل (أما جوابه) بان الحق ما قام عليه الدليل الا ما اتفقت عليه الأجيال ففيه ان اتفاق الأمة جيلا بعد جيل دليل قطعي لا دليل أقوى منه حتى يعارضه (و قوله) ان سكوت العالم أو العالم على منكر ليس دليلا على جوازه فيه ان ذلك إذا علم انه منكر و البناء على القبور محل النزاع فأنتم تدعونه منكرا و نحن نقول انه معروف و نستدل بسيرة المسلمين الكاشفة بوجه القطع عن أخذه من صاحب الشرع فإذا سكت العلماء و العالم عن امر مع قدرتهم على الإنكار علمنا انه ليس منكرا (أما) المثل الذي ضربه من أخذ المكوس حتى في مكة المكرمة و سكوت العلماء (ففيه) انه قياس مع الفارق (أولا) ان الآخذين للمكوس هم الحكام و ذوو الشوكة وحدهم و البانون للقبور و للقباب عليها و المعظمون لها المتبركون بها هم جميع طبقات الناس فبطل القياس (ثانيا) ان المكوس أمور دولية تعارض فيها الحكام الذين تخاف سطوتهم لمنافاة تركها لمصلحتهم و إخلاله بأمور دولتهم بخلاف بناء القبور و تعظيمها فإنها أمور دينية صرفة مرجعها العلماء و أهل الدين فسكوت العلماء عن الأول لا يدل على الرضا بخلاف الثاني (ثالثا) ان العلماء و جميع المتدينين غير ساكتين عن الإجهار بتحريم المكوس و ذم قابضها و تفسيقه و التجنب عنها و عدها من السحت يجيبون بذلك كل من يسألهم و يثبتونه في كتبهم و يتحدثون به في مجتمعاتهم و ها هو يصرح بتحريمه في رسالته هذه و يندد بفاعليه و يذمهم أشد الذم مع وجوده في زمانه و عدم قدرته على منعه و ها هي رسالته تطبع و تنشر في الآفاق و لا يخاف طابعها و ناشرها من الحكام الآخذين المكوس أ فيقال بعد هذا انهم ساكتون نعم هم ممسكون عن المنع لعدم قدرتهم كما أمسك الاخوان الوهابيون المجددون ما انمحى من آثار الإسلام و الرافعون البدع و المحرمات بالسيف و السنان عن منع حكومتهم من أخذ المكوس المحرمة عندهم في جدة و غيرها حتى عن التتن و التنباك المحرم تدخينه عندهم و المعاقب مدخنه و أخذت في العام الماضي من كل قاصد لحج بيت الله الحرام ليرة عثمانية ذهبا و في هذا العام أزيد من ذلك عدا عما شاركت به أصحاب الجمال و السيارات و البيوت و الباعة و غير ذلك و الاخوان ساكتون لعدم قدرتهم على المنع لكنهم يصرحون بالتحريم و ان كانوا قادرين فقد تركوا أعظم واجب في الدين (أما تمثيله) بالمقامات الأربعة ففساده أظهر من مسألة المكوس فان المكوس مما قام على تحريمها إجماع المسلمين بل ضرورة الدين و أنكرها جميع العلماء و أهل الدين ان لم يكن باليد فباللسان مع أنها أمور دولية يخاف منكرها كما عرفت و ليس كذلك المقامات الأربعة فلم يسمع عن أحد إنكارها قبل الوهابية مع كونها دينية صرفة و لم يقم دليل على كونها بدعة محرمة كما قام على تحريم المكوس فان جعل مقامات أربعة لأئمة أربعة يقلدهم اربعة أخماس المسلمين و يرون أقوالهم و فتاواهم حجة و جلهم الا من شذ يمنع الاجتهاد بعدهم ليس فيه شيء من البدعة فهو كاصطلاح أهل بلد على ان يصلي بهم اربعة اشخاص أحدهم يوم كذا أو في مكان كذا أو صلاة كذا و الآخر في خلاف ذلك مع كون الكل صالحين للامامة و جعلهم لكل واحد محرابا أو مسجدا فإنه ليس منكرا و لا بدعة و لا إدخالا في الدين ما ليس منه لدخوله في عموم جواز الصلاة في أي مسجد كان و اي محل كان و عموم جواز الصلاة خلف اي امام كان بعد اعتقادهم و تصريحهم بان ذلك ليس بامر واجب و ان لكل ذي مذهب ان يصلي خلف من شاء منهم و كل ما دخل في عموم أو اطلاق خرج عن البدعة و ليس كل ما لم يكن في زمن النبي (ص) من الهيئات و بعض الكيفيات و لا كل ما لم يرد به بخصوصه نص بدعة بعد دخوله في عمومات أدلة الشرع و إطلاقاتها كما مر في
المقدمات (و جعل) المحاريب للأئمة الأربعة لا يزيد على جعل المذاهب الأربعة و كتب المذاهب اربعة و المنتمين إليها اربعة و المفتين من أهل المذاهب اربعة فان كان ذلك بدعة فليكن هذا بدعة لأن كلا من ذلك لم يكن على عهد رسول الله (ص) و ان كان جعل اربعة مقامات لأهل المذاهب كل امام منهم يصلي في واحد منها بدعة فما رسمه الوهابية بعد استيلائهم على الحجاز في المرة الأولى و هذه المرة بان يصلي الصبح الشافعي و الظهر المالكي و العصر الحنبلي و المغرب الحنفي و العشاء من شاء- بدعة لأن ذلك لم يكن على عهد رسول الله (ص) و ان كان المانع منه تكرار صلاة الجماعة في المسجد فاي مانع من تكرارها و لم ترد فيه آية و لا رواية مع ان تكرار الخير خير و ان كانت حجتهم في منع التكرار انه لم يكن على عهد النبي (ص) و الخلفاء فمع وجوده (ص) من