أعيان الشيعة - الأمين، السيد محسن - الصفحة ١٠٣
وصفه الله تعالى بالمؤمنين رؤوف رحيم فاي مانع ان نطلب منه الاستغفار بعد موته أو غيره من الدعاء بخير الدنيا و الآخرة و هل منعه الا تحكم و مكابرة و عناد و ان الوهابية لا ينكرون حياته (ص) بعد الموت و حديث رد روح الميت حتى يرد السلام و ما ياتي قريبا من ان بعض الصحابة دعاه أن يستسقي لأمته فجاء إلى بعضهم في النوم و أخبره أنهم مسقون فسقوا و قد نص القرآن الكريم على ان الذين قتلوا في سبيل الله احياء عند ربهم يرزقون و درجة النبوة أعظم من درجة الشهادة بل ورد ان مداد العلماء أفضل من دماء الشهداء فلا يبعد في حق الأنبياء ما ثبت في حق الشهداء مع ان الروح باقية غير فانية و يمكنها السؤال و الدعاء مع ان اعتقاد ان الميت يسمع أو لا ليس من الواجبات فمن اعتقده اما مصيب مأجور أو مخطئ معذور فلا يوجب اعتقاده شركا و لا إثما و لو فرض عدم سماعه الكلام و عدم قدرته على الدعاء فطلبه منه لا محذور فيه لأنه ليس مما لا يقدر عليه الا الله فيكون كطلب القراءة من الأعمى بظنه بصيرا و المشي من المقعد بظنه سليما أو مناداة ميت و طلب شيء منه بظنه نائما و كل ذلك لا يوجب شركا و لا إثما (و ان كان منعه) باعتبار انه بدعة لم يرد به نص و لم يفعله السلف فيكفي في رفع البدعة عنه ورود النص في الحي بعد دلالة النصوص على حياته (ص) في قبره كما سمعت مع ان دعوى عدم فعل السلف له يكذبها ما ذكره السمهودي الشافعي عالم المدينة في كتابه وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى «١» بقوله: و قد يكون التوسل به (ص) بعد الوفاة بمعنى طلب ان يدعو كما كان في حياته و ذلك فيما [وراه] رواه البيهقي من طريق الأعمش عن أبي صالح عن مالك الدار و رواه ابن أبي شيبة بسند صحيح عن مالك الدار (و في غير وفاء الوفاء عن مالك الدار خازن عمر) قال أصاب الناس قحط في زمان عمر بن الخطاب (رض) جاء رجل إلى قبر النبي (ص) فقال يا رسول الله استسق لأمتك فإنهم قد هلكوا فأتاه رسول الله (ص) في المنام فقال أئت عمر فاقرأه السلام و أخبره أنهم مسقون الحديث قال و روى سيف في الفتوح أن الذي رأى المنام المذكور بلال بن الحارث المزني أحد الصحابة (رض) قال و محل الاستشهاد طلب الاستسقاء منه (ص) و هو في البرزخ و دعاؤه لربه في هذه الحالة غير ممتنع و علمه بسؤال من يسأله قد ورد فلا مانع من سؤاله الاستسقاء و غيره كما كان في الدنيا انتهى (و ان كان منعه) لتوهم أنه عبادة للمطلوب منه الدعاء فهو فاسد لأن طلب الدعاء ليس عبادة و الا لكان طلبه من الحي عبادة لعدم تعقل الفرق مع أن طلبه من الحي جائز بالإجماع بل بالضرورة فتشدد ابن تيمية و أتباعه فيه و سرده الدعاوي المنفية بلا دليل على عادته بقوله غير مشروع. لم يفعل هذا أحد من الصحابة و التابعين و لا أمر به أحد من الأئمة و لا ورد فيه حديث. لم يفعل ذلك أحد من الصحابة قط. بدعة ما أنزل الله بها من سلطان. تشدد بارد فاسد كسائر تشدداته و اتباعه من الوهابيين فيما لا ينبغي التشدد فيه و تساهلهم فيما يجب التشدد فيه كتكفير المسلمين و استحلال دمائهم و أموالهم و دعواه أنه بدعة ما انزل الله بها من سلطان من أشنع البدع التي ما انزل الله بها من سلطان مع أن دعوى ابن تيمية و ابن عبد الوهاب انه لم يفعل ذلك أحد من الصحابة شهادة على النفي و هي غير مقبولة كما تقرر في محله و هل عاشروا جميع الصحابة و اطلعوا على جميع أحوالهم حتى عرفوا انه لم يصدر منهم ذلك كلا و من الذي يدعي الاحاطة بجميع ما صدر من الصحابة و العادة قاضية بأنه لا بد أن تكون خفيت علينا من أحوالهم أمور كثيرة لم تنقل إلينا لا أقل من الاحتمال سلمنا عدم فعل الصحابة له لكن ليس كل ما لم يفعله الصحابة يكون بدعة فالبدعة كما مر في المقدمات إدخال ما ليس من الدين في الدين و مجرد عدم فعل الصحابة له لا يدل على انه ليس من الدين إذا لم يكن من الواجبات لجواز ان يترك الصحابة المستحب أو المباح و هل إذا أردنا ان ننشئ ألفاظا ندعو الله تعالى بها تكون بدعة لأن الصحابة لم يدعوا بها أو إذا أردنا ان ندعو الله تعالى مستلقين على ظهورنا يكون بدعة لأنه لم يفعله الصحابة إلى غير ذلك مما لا يحصى سبحانك اللهم ما هذا التضييق على العباد فيما وسع الله عليهم فيه بل إذا لم يفعل النبي (ص) شيئا لا يدل ذلك على تحريمه لجواز تركه المستحب و المباح فالاسراع إلى قوله بدعة و المبالغة بأنه ما انزل الله بها من سلطان تقول على الله تعالى بغير علم و لو سلمنا جدلا عدم فعل الصحابة لذلك و ان ما لم يفعلوه يكون بدعة فما الذي أوجب ان يكون شركا و كفرا كما زعمه ابن عبد الوهاب و ما الدليل على ذلك أ هو قوله حاش و كلا فظهر انه لا فرق بين طلب الدعاء منه (ص) في حياته و بعد وفاته و ان التفرقة بينهما محض جمود أو عناد و ان ما هو شرك لا يمكن ان يكون توحيدا و بالعكس.
(و الجواب) عن احتجاجهم على عدم جواز دعاء غير الله و الاستعانة و الاستغاثة به بآية فلا تدعوا مع الله أحدا و ما ذكر معها- ان الدعاء في اللغة مطلق النداء قال الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا) و يطلق الدعاء على سؤال الله تعالى و الرغبة اليه و طلب حوائج الدنيا و الآخرة منه باعتقاد انه مالك أمر الدنيا و الآخرة و بعبارة اخرى باعتقاد ألوهيته و استحقاقه العبادة و التعبد و الخضوع له بذلك إطاعة لأمره و اطلاق الدعاء على ذلك اما لأنه أحد أفراد المعنى اللغوي أو لصيرورته حقيقة عرفية في ذلك أو مجازا مشهورا و قد ورد في الشرع الحث على دعاء الله تعالى و طلب حوائج الدنيا و الاخرة منه و سمي عبادة قال قال الله تعالى: (ادعوني استجب لكم ان الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين) و قال زين العابدين علي بن الحسين ع في دعائه بعد ذكر الآية (فسميت دعاءك عبادة و تركه استكبارا و توعدت عليه دخول جهنم داخرين) حتى ورد ان الدعاء مخ العبادة أو هو العبادة كما ذكروه في احتجاجهم و بمضمونه عدة روايات. و انما كان كذلك لما فيه من إظهار نهاية الخضوع و التذلل لله تعالى و الافتقار اليه و ان الأمور كلها بيده و لهذا أمر بالدعاء و حث عليه مع انه اعلم بحوائجنا منا و ارأف بنا من كل أحد و لكنه أراد ان نظهر له غاية الخضوع و العبودية و ننزل به حوائجنا جليلها و حقيرها حتى ورد انه أوحى إلى موسى (ع) يا موسى اسالني حتى علف دابتك و قوت يومك أو ما هذا معناه.
و لا شك ان مطلق الدعاء و المناداة و طلب الحاجة من غير الله لا يكون عبادة و لا ممنوعا منه فمن دعا رجلا لياتي اليه أو ليعينه و ينصره أو ليناوله شيئا أو يقضي له حاجة لم يكن عابدا له و لا آثما. فقوله تعالى (فلا تدعوا مع الله أحدا) لا يراد به مطلق الدعاء قطعا بل دعاء خاصا و هو الدعاء المساوي لدعاء الله تعالى باعتقاد ان المدعو قادر مختار مساو لله في ذلك كما كانت