الوافي - الفيض الكاشاني - الصفحة ٦٦١ - باب البعث و الحساب
- و اكمل لذة و لا يأسفون على ما فاتهم بعده، فكان الشيخ أبا عليّ قال في حقهم: فكأنهم و هم في جلابيب من أبدانهم قد نضوها و تجردوا عنها، و قد كان الحكماء قبله أصحاب مال و جاه و مناصب متهافتين على التقرّب إلى السلاطين و الأمراء إلّا قليلا، هذا مع أنه لم يكن أعلم منهم بالأقوال و لا أجمع للعلوم العقليّة و لا أفصح في البيان إلّا أنّه بلغ ما بلغ بتتبعه أخبار الأئمة المعصومين و التدبر في دقائق معاني كلامهم عليهم السّلام، و بذلك فاق جميعهم و قدر على حل معضلات عجزوا عن حلها، و كلما مضى عليه الزمان تبين مقداره أكثر ممّا كان، و قد اخذوا عليه مآخذ لا يخلو عن مثلها غير المعصوم، و ربما يوهم بعض عباراته الجبر أو الغلوّ و غيرهما، و ليست بحيث لا تقبل التأويل و يحمل كلام مثله على الصحة لما نعلم من قوة ايمانه و ولايته لأهل البيت عليهم السّلام و لم يكن يعتقد شيئا من الأمور الثلاثة التي طعن بها الغزالي في الفلسفة على ما يأتي، فإنه حصر علة ضلالهم في ثلاثة أمور: الأول: قد العالم، و قد بين في محله أن الحق و ان كان حدوث عالم الأجسام و ان القدم غير صحيح و سبق شرحه في كتاب التوحيد و اعترف به أيضا صدر المتألهين، و لكنه مسألة غير دينية و لا يرتبط بالاعتقادات فهي نظير مسألة الجزء الذي لا يتجزى و تناهي الأبعاد و كون زوايا المثلث مساوية لقائمتين و تركب الجسم من الهيولى و الصورة فمن خالف الحق فيها لا يكون كافرا بل مخطئا و اتفاق أهل الديانات على الحدوث ان ثبت فإنما هو للملازمة العرفية بين القدم و انكار الصانع، فالكفر اللازم من القول بقدم العالم إنّما هو بلزوم عرفي لا حقيقي كالتوهين اللازم في مثل أن يكون أبو زيد كافرا فيقال له لعن اللّه أباك، فليس نفس الحدوث من الاعتقادات الدينية بل اثبات وجود اللّه تعالى.
و قد بيّن المحقق الطوسيّ (ره) في التجريد أن علة الاحتياج هي الإمكان دون الحدوث، و حينئذ فيكفر من يعتقد قدم العالم إذا أفضى اعتقاده إلى نفي الصانع كأنّ يصدر من العوام. و الثاني: علم الواجب بالجزئيات، و قد بين صدر المتألهين ذلك بأبين وجه و أوضحه و أبطل كلام المشائين. و الثالث: قوله في المعاد و ليس اعتقاده فيه مخالفا لاعتقاد ساير المسلمين إلّا أنّه أورد قبل اثبات المعاد مقدمات يصعب تصورها على أكثر الناس توهم في بادي الأمر أنّه يريد اثبات شيء آخر و ذلك لأنّه أثبت في الجسم-