الوافي - الفيض الكاشاني - الصفحة ٦٥٥ - باب البعث و الحساب
عيانا قد نشرت الدواوين الدواوين كناية عن نفوسهم التي[١] هي صحائف أعمالهم فإن كلما يدركه الإنسان بحواسه يرتفع منه أثر إلى روحه و يجتمع في صحيفة ذاته و خزانة مدركاته و كذلك كل مثقال ذرة من خير أو شر يعمله يرى أثره مكتوبا و لا سيما ما رسخت بسببه الهبات و تأكدت به الصفات و صار خلقا و ملكه فإن ذلك مما يوجب خلق الثواب و العقاب و بشرها كناية عن انكشافها لديهم دفعة واحدة بالموت و كشف الغطاء و رفع شواغل ما كان يورده الحواس في دار الدنيا فيقال لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد[٢] هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون[٣] فمن كان في غفلة عن ذاته و حساب سره فإذا وقع بصره على ذلك
[١] . قوله «الدواوين كناية عن نفوسهم التي ...» هذا أيضا مبني على تجسم الأعمال و تمثل المعاني فانه يتمثل النفس بملكاتها الغير المحسوسة في الدنيا صحيفة منقوشة محسوسة في عالم الآخرة، فالمعاني التي لا ينظر الناس إليها في الدنيا و لا يعتدون بها و ليس لها عندهم أصالة و قد ينقلب في الآخرة حقائق متأصلة، و ما هو في الدنيا أصيل و حقيقي كالأموال ينقلب أمرا اعتباريا، و ينعكس الأمر في الأصالة و الاعتبارية بالنسبة إلى الدنيا و الآخرة و مثله ساير الأمور الأخروية كالصراط فانه الدين الحق و العدل في الأعمال و هو أمر معنوي غير محسوس في الدنيا، و أمّا في الآخرة فمحسوس مشاهد كأهم ما يتعلق به الحياة و الوجود و هو الجسر الممدود على النار الذي يكب فيها بالعثور و الانحراف عليه، و ليس غرض المصنّف و أمثاله التأويل بل يريدون بيان موازاة هذا المعنى في الدنيا مع تلك الحقيقة في الآخرة بإزاء ذاك و مثله ما يقال الايمان لأعمال الجوارح بمنزلة الرأس من الجسد يعني انّ فرض الدين حسبما كان الايمان و انّ هذا بإزاء رأسه و لا يريد القائل به أنّه لا ايمان إلّا الرأس، و قال اللّه تعالى: وَ نَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى وَ قَدْ كُنْتُ بَصِيراً قالَ كَذلِكَ أَتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وَ كَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى، و الغرض مناسبة العمى المعنوي في الدنيا الموجب لنسيان الآيات مع العمى الحاصل في عالم الآخرة للبدن المحشور و ان هذا بإزاء ذاك. «ش».
[٢] . ق/ ٢٢.
[٣] . الجاثية/ ٢٩.