الحاشية على الإلهيات - الملا صدرا - الصفحة ٢٠ - الفصل الثالث في منفعته و مرتبته و اسمه
الطبيعة و ستعلم الحال في كيفية ذلك في موضعه و حاصل ما ذكره الشيخ في دفع هذا السؤال أما من جهة الحساب فبأن جعل موضوعه عددا مختصا بالماديات و المحسوسات و أما من جهة الهندسة فيتحقق أن المبحوث عنه فيها إن كان الأنواع الثلاثة أعني الخط و السطح و الجسم على الوجه المختص فهي أمور متعلقة الوجود بالمادة و الطبيعة و إن كان الوهم تجردها و القول بتجردها عن المادة في الوجود الخارجي باطل عنده كما سيجيء و إن كان المبحوث عنه هو المقدار المطلق لا المختص بأحد الثلاثة فيجب أن يكون مأخوذا على وجه يستعد لعروض الأشكال و النسب المقدارية المختلفة من التثليث و التربيع و التكعيب و الفصل و الوصل و غير ذلك و بالفرق بين المقدار الذي هو بمعنى البعد مطلقا و هو المقوم للهيولى المقدم بالذات على الجسم و بين المقدار الذي هو من باب الكم القابل للمساواة و اللامساواة و التقسيمات و التشكيلات من جهة المادة المستعدة لأية نسب و أشكال اتفقت و هذا هو المبحوث عنه في الهندسة دون الأول و لقائل أن يقول إن الأقسام الأولية للمقدار أي الخط و السطح و الجسم لما كان كل واحد منها مجعولا مع المقدار بجعل واحد و لا يكون للمقدار بما هو مقدار وجود إلا بواحد منها كما هو شأن الجنس مع الأنواع البسيطة تحته فكيف جوز الشيخ مفارقة المقدار المطلق عن الطبيعة في القوام و لم يجوز مفارقة الخطوط و السطوح و المجسمات مع أنه لا قوام للمقدار إلا بواحد من هذه الأنواع البسيطة على أن الحق أن لكل من هذه الأقسام إمكان تحقق في غير هذا العالم مفارقا عن الطبيعة كما سيظهر لك منا إن شاء الله تعالى فالأولى أن يذكر في هذه الأقسام أيضا ما ذكره في مطلق المقدار من أن كلا من الخط و السطح و الجسم الذي جعل موضع الهندسيات و يبحث عن أحواله المهندسون هو ما من شأنه أن يقبل النسب الوضعية و الأجزاء و الأقسام و التجذير و التكعيب و غير ذلك من الصفات التي لا يمكن عروضها لشيء من أنواع المقدار إلا بعد تعلقه بالمادة الطبيعية قوله و قد عرفت في شرحنا للمنطقيات و الطبيعيات إلى آخره الفرق الذي ذكره في ذينك العلمين هو أن الجسم الذي هو قبل الطبيعة و هو مقوم للهيولى هو جوهر يفرض له أبعاد ثلاثة متقاطعة على قوائم و تلك الأبعاد امتدادات مطلقة لا يعتبر فيها أنها على أي حد و نهاية و لا يتعين فيها مرتبة من الطول و القصر فلا يخالف فيها جسم لجسم و لا الجسم بهذا المعنى قابل لنسبة من النسب كالتنصيف و التضعيف و التثليث و التربيع و التجذير و التكعيب و المساواة و المفاضلة و غيرها و الجسم الذي هو بعد الطبيعة و هو يتقوم بالمادة هو القابل للأبعاد المحدودة الذي يوجد فيه الجزء العاد الماسح له بالقوة و هو القابل لأية نسبة من تلك النسب المذكورة و هو الذي يصلح لأن ينظر في أحواله المهندسون و يتكلم في لواحقه الذاتية الرياضيون و كذلك السطح الذي هو قبل الطبيعة غير السطح التعليمي الذي يبحث عنه المهندسون فإن له صورة غير الكمية و تلك الصورة هي أنه بحيث يصح أن يفرض فيه بعدان على الصفة المذكورة و ذلك له لأجل أنه نهاية شيء ما يصح فيه فرض ثلاثة أبعاد و أما السطح بالمعنى الآخر هو الذي من باب الكمية فهو كمية السطح بالمعنى الأول و نسبته إلى ذلك كنسبة الجسم الذي من باب الكم إلى الجسم الذي من مقولة الجوهر و كذلك حكم الخط في معنييه أحدهما مطلق البعد الواحد و هو غير قابل للمساواة و اللامساواة الثاني الذي يكون ذراعا أو ذراعين فيكون الجسمية التي من باب الكم و إن كانت من لوازم الجسمية التي هي الصورة ضرورة ما يلزمها من التناهي و التحدد لكن صورة الجسم إذا جردت بكميتها أو جردت منها الكمية مأخوذة في الذهن يسمى المجرد جسما تعليميا و العجب من الشيخ أن هذا الفرق كما أثبته و ذكره في نفس المقدار أثبته و ذكره في أنواعه الثلاثة أيضا فبما ذا حكم فيها بعدم المفارقة عن المادة من كل وجه دون المقدار نفسه و قد علمت أنها متحدة الوجود مع المقدار لا قوام له إلا مع شيء من هذه الثلاثة قوله فالشبهة فيه آكد إلى آخره و ذلك لأن من أفراده ما وجد قبل الطبيعة مفارقا عنها من كل وجه و اعلم أن القبلية أو البعدية قد يكون حقيقية و قد يكون إضافية فالقبل الحقيقي ما لا يكون قبله قبل و البعد الحقيقي ما
لا يكون بعده بعد فعلى هذا توصيف موضوع هذا العلم بأنه ما قبل الطبيعة أو ما بعدها بالاعتبارين يمكن أن يكون من جهة المعنى الحقيقي منهما و أما موضع التعليميات فتوصيفه بالقبلية أو البعدية إنما يكون بحسب المعنى الإضافي منهما على أن التسمية مما يكفي فيها أدنى مناسبة و لا يلزم فيها ما يلزم التعريفات من الاطراد و الانعكاس قوله و لكن البيان المحقق إلى آخره قد سبق في تعريف الحكمة النظرية و تقسيمها إلى أقسامها الثلاثة ما يندفع به هذا الإشكال الذي حمل صاحب المطارحات على أن جعل علم الحساب من الفلسفة الأولى و هو بعينه ما يذكره الشيخ في هذا الموضع من الفرق بتخصيص العدد المبحوث عنه في علم الحساب بما يعرض الماديات و اعلم أن هاهنا فرق آخر بين طبيعة الكثرة و العدد مطلقا و هو المؤلف من الوحدات على الإطلاق من غير أن تعتبر فيها تماثل في الوحدات و لا كونها على حد خاص و مرتبة معينة لا على وجه الخصوص و لا على وجه العموم ككونه عشرة معينة أو مائة