الحاشية على الإلهيات - الملا صدرا - الصفحة ١٧ - الفصل الثالث في منفعته و مرتبته و اسمه
و يقال إن المنطق مثلا نافع في الحكمة و هذان الاعتباران أي الخاص و العام كما يقع في العلوم يقع في الذوات فالملك و الرعية و صاحب الفرس و الفرس بحسب الاعتبار العامي أنه انتفع كل منهما بالآخر و لا يقال بحسب الاعتبار الخاص إن الرعية انتفعت من الملك و إن الفرس انتفع من الفارس و الانتفاع بالإطلاق الأعم على ثلاثة أقسام للعالي في السافل و للسافل في العالي و للمساوي في المساوي و المنفعة بالإطلاق الأخص لا يقال على القسم الأول لأنها في ذلك الإطلاق معناها قريبة في معنى الخدمة و الذي يفيده العالي للسافل مما لا يشبه الخدمة بل ينبغي أن يوضع له عند ذلك لفظ آخر مثل الإفادة و ما يجري مجراها و كذا في هذا الإطلاق الأعم إذ أريد أن يدل على خصوص هذا النوع في المنفعة فإن الأقسام الثلاثة من الأسباب الموصلة للخير الذي يقال على الجميع لفظ المنفعة أنواع مختلفة كل نوع منها نوع آخر سواء اشتركت في معنى جنسي أو لا إذا تقرر هذا و ثبت أن كلا من الخادم و المخدوم و الرئيس و المرءوس ينفع في الآخر بحسب الإطلاق الأعم و علم أن نوع كل من المنافع الثلاثة مع الجهة التي يخصه نوع آخر مباين للباقين و معلوم أن لهذا العلم رئاسة و استخداما لسائر العلوم فمنفعة هذا العلم التي بين وجهها من أنها على سبيل الاستعلاء هي في إفادة اليقين بمبادي سائر العلوم التي تحتها هذا من باب التصديق و من باب التصديق و من باب التصور معرفة حقائق الأمور العامة المشتركة في العلوم سواء كانت من المبادي لها أم لا و من هذا القبيل منفعة الرئيس للمرءوس و المخدوم للخادم و لهذا أمثلة كثيرة كما يظهر لمن تتبع و تأمّل مثلا النفس و البدن كل منهما منتفع بالآخر لكن منفعة النفس للبدن في إفاضة الحياة و الحس و غيرهما عليه و منفعة البدن للنفس في أن يصير بحسب حركاته و رياضاته وسيلة معدة لأن يستعد النفس لأن يفيض عليهما من المبدإ الأعلى العلم و الطهارة و إنما قلنا منفعة هذا العلم في اقتناء العلوم الأخرى كمنفعة الرئيس و المخدوم للمرءوس و الخادم لأن نسبة العلم إلى العلم كنسبة المعلوم إلى المعلوم فنسبة العلم الأعلى إلى العلوم الباقية كنسبة المعلوم به و المقصود معرفته فيها و لا شك أن المقصود الأصلي فيه معرفة مبادي الأشياء سيما مبدأ المبادي و له السلطنة العظمى و السيادة الكبرى على جميع ما في السماوات و الأرض فكما أن وجود ذاك مبدأ لوجود هذه الأشياء فالعلم به على التحقيق مبدأ لتحقيق العلم بهذه قوله و أما مرتبة هذا العلم فهي أن يتعلم بعد العلوم إلى آخره هذا القسم من التأخر قد عرض لهذا العلم بالقياس إلينا لا بالقياس إلى نفسه فهو بحسب الجبلة و الذات متقدم على سائر العلوم تقدما ذاتيا و تقدما بالشرف و أما بحسب الوضع فهو متأخر عن العلوم الطبيعية و الرياضية من الوجه الذي ذكره قوله و أما الرياضي فلأن الغرض الأقصى إلى آخره لقائل أن يقول الغرض الأقصى من هذا العلم هو معرفة الباري جل ذكره لأنه أشرف المعلومات فكيف يكون معرفة فعله و تدبيره هو الغرض الأقصى فنقول لما كان الواجب تعالى بسيط الذات فلا جزء له و لما كان مبدأ لما سواه فلا مبدأ له من حيث ذاته و ما لا جزء فيه و لا مبدأ له مطلقا فلا حد له و لا برهان عليه و لا يمكن معرفته إلا بالمشاهدة الصريحة أو من طريق الأفعال و الآثار و الأول لا يمكن إلا بانسلاخ النفس عن هذا الوجود الجزئي و فنائها عن ذاتها و عن كل شيء لا بوسيلة الحكمة فبقي الشق الآخر فالغرض الأقصى للنفس من هذا العلم في هذا العالم هي مطالعة الحضرة الإلهية و هي صنع الله يصنعه و فعله الخاص المنبعث عن حاق ذاته بذاته و هذا النحو من المعرفة ليس بأقل من معرفة الشيء بحده و من هذه الجهة قالت الحكماء القوى يعرف بأفاعيلها و قال الشيخ في الحكمة المشرقية إن بعض البسائط يوجد لها لوازم يوصل الذهن بصورها إلى حاق الملزومات و تعريفاتها لا يقصر عن التعريف بالحدود هذا كلامه ثم إني أقول إن الوجود طبيعة واحدة بسيطة ليس التفاوت بين آحادها إلا بالشدة و الضعف و الكمال و النقص و الواجب مرتبة كاملة شديدة غير متناهية في الشدة فكل موجود شاهد على وجوده لأنه رشح منه و كل ما هو أقرب إليه فهو أتم شهادة عليه و لكن العالم بجميع أجزائه ملكه و ملكوته أتم شاهد عليه و أعظم مجلى له
لأنه على مثال ذاته فالعلم به هو الغرض الأقصى قوله فنقول إن المبدأ للعلم إلى آخره أجاب عن هذا السؤال بثلاثة وجوه هذا أحدها و هو أن المسائل في هذا العلم التي لها مباد من العلم الطبيعي غير المسائل منه التي هي مباد في ذلك العلم و المسائل من العلم الطبيعي التي هي مباد في هذا العلم غير مسائله التي لها مباد في هذا العلم و قوله ثم قد يجوز أن يكون في العلوم مسائل إلخ ثاني الوجوه و هو أن المسألة من أحد العلمين التي يستعمل وضعا في العلم الآخر لا يلزم أن يكون وضعها هناك مع وضع برهانه فيه بل يجوز أن يكون وضعها فيه تسليما مجردا عن البرهان فلا يلزم دور مع اشتراك المسألة و قوله على أنه إنما يكون مبدأ العلم مبدأ بالحقيقة إلى آخره ثالث الوجوه و هو أنه قد يتفق لمسألة واحدة برهانان مختلفين أحدهما برهان إن يعطي الوجود و لا يعطي علة الوجود و ثانيهما برهان لم يعطي لمية الوجود و علته و إطلاق المبدإ فيه على الحقيقة و في الأول ليس على الحقيقة و إعطاؤه كإعطاء الحس بوجود الشيء دون حقيقته و علته مثال ذلك