الحاشية على الإلهيات - الملا صدرا - الصفحة ٢٥١ - الفصل الخامس في بيان إثبات الغاية
التي في نفس الفاعل مثالها كغاية الحركات الفكرية من النتيجة المطلوبة من الفكر و هي صورة علمية تحصل عقيب الفكر و الثاني الغاية التي في نفس القابل مثل غاية الحركات الاختيارية الجسمانية الصادرة عن النفوس بالروية كمن يتحرك من أين إلى أين آخر أوفق بطبيعة البدني أو غاية الحركات الطبيعية التي مبدؤها طبيعة و لكن ليست تلك الحركة لغاية هي كمال للفاعل الطبيعي بل لنفس المادة كالحركة في الكم الصادرة من القوة النباتية فإن غايتها حصول ازدياد في القدر أو الزيادة في المقدار كمال للجسم الذي هو الموضوع لا لفاعل النمو لأن النفس النباتية لا يزداد و لا ينتقض و عند الشيخ و أصحابه من المشائين لا تشتد و لا تضعف فضلا عن الازدياد و الانتقاص و أما القسم الثالث و هي الغاية التي ليست وجودها في الفاعل و لا في القابل فمثالها من يفعل فعلا لأجل رضى فلان و رضى فلان شيء خارج عن الفاعل و القابل و أقول في هذا التقسيم نظر فإن سألت الحق فالغاية بالحقيقة دائما يجب أن يكون أمرا عائدا إلى ذات الفاعل بما هو فاعل لأن غاية الشيء تمامه و كماله فالذي يظن به أنه في القابل ككون الحجر في مركز العالم فهو كمال للطبيعة الأرضية و كون النامي في غاية النشو غاية مطلوبة للقوة المنمية التي في النبات و كذا كون المتحرك الإرادي في حيز ملائم لبدنه مطلوب لنفسه المتحركة له و كذلك من فعل فعلا لرضى فلان لا بد أن يكون غاية فعله و الداعي عليه أمرا يعود إلى نفسه لعلمه برضى فلان أو فرحه بذلك أو ما يجري هذا المجرى و قوله و إن كان الفرح بذلك الرضى غاية أخرى حق لكن الكلام في أن رضى فلان من حيث كونه أمرا خارجا عن الفاعل و قواه المتوسطة بينه و بين فعله ليس من جملة الغايات الذاتية المترتبة و الحاصل أن الغايات أبدا بإزاء المبادي فإن كان الفعل ذا مبادي مترتبة كالأفعال البدنية الاختيارية الواقعة عن نفس الإنسان مثلا كانت له غايات مترتبة أيضا ليس شيء منها خارجا عن تلك المبادي فالغاية النفسية للفاعل النفسي و الخيالية للخيالي و الطبيعية للطبيعي كما سيتضح إن شاء الله تعالى
[الفصل الخامس: في بيان إثبات الغاية]
قوله في إثبات الغاية و حل شكوك قيلت في إبطالها و الفرق بين الغاية و بين الضروري و تعريف الوجه الذي يتقدم به الغاية على سائر العلل و الوجه الذي يتأخر إلى آخره مطالب هذا الفصل أربعة الأول إثبات الغاية فإن على الفيلسوف الأول صاحب هذا العلم أن يقيم البرهان على وجود الغاية في الأفاعيل الطبيعية و الإرادية لأن هذا المطلب غير بديهي و ليس أيضا لأصحاب العلوم الجزئية أن يبرهنوا على الوجه الكلي على هذا المطلب بل ليس للطبيعي أن يقيم البرهان على أن للطبائع الجسمانية على الإطلاق غايات بل من شأنه أن يتسلم ذلك و كذا البحث عن سائر المبادي للجسم الطبيعي بما هو جسم طبيعي على الوجه الكلي من صاحب هذا العلم كما ذكره الشيخ في أوائل الطبيعيات الثاني حل الشكوك الواردة عليها و دفع الأقوال التي قيلت في إبطالها و الثالث بيان الفرق بين الغاية بالذات و بين الضروري و الغاية التي هي بالعرض و الرابع في تبيين الوجه الذي به يكون الغاية علة غايته متقدمة على سائر العلل و هي بسببه يكون جاعلة للفاعل فاعلا و الوجه الذي به يكون متأخرة عن سائر العلل معلولة لمعلولها قوله فنقول قد بان مما سلف لنا من القول أن كل معلول فله مبدأ أو كل حادث فله مادة و له صورة و لم يبين بعد أن كل تحريك فله غاية ما و أن هاهنا ما هو عبث و هاهنا ما هو اتفاق و أيضا هاهنا مثل حركة الفلك فإنه لا غاية لها في ظاهر الأمر و الكون و الفساد لا غاية لها في ظاهر الظن يعني إنا أثبتنا في هذا الكتاب و هو كتاب الإلهيات ثلاث علل من العلل الأربع أما العلة الفاعلية فلكل موجود معلول و أما العلة المادية و الصورية فلكل موجود حادث و لم نثبت بعد العلة الغائية للأشياء و لا أيضا الغاية لكل تحريك و الحال أن هاهنا شكوكا قيلت في إبطال الغاية فمنها القول بالبحث و الاتفاق و وجود العبث و الجزاف فينتقض بهما قاعدة أن لكل تحريك غاية و منها أن من جملة الحركات حركة الفلك و هي غير منقطعة أبدا فلا غاية لها فينتقض بها القاعدة الكلية و منها أشخاص الكائنات الغير المتناهية بعضها غاية لبعض و ما ينتهي إلى غاية أخيرة لا غاية لها و إذا بطلت الغاية الأخيرة بطلت الغايات كلها و من هذا القبيل وجود النتائج المترادفة للقياسات إلى غير النهاية كما قال ثم لقائل أن يقول يجوز أن يكون لكل غاية غاية كما أن لكل ابتداء ابتداء فلا يكون بالحقيقة غاية و تمام لإن الغاية الحقيقية ما يسكن لديه و قد نجد أشياء هي غايات و لها غايات إلى غير النهاية فإن هاهنا أشياء يظن أنها غايات و لا تتناهى كنتائج تترادف عن القياسات و لا تتناهى هذا تقرير الشك الأخير و هو أن الغاية الحقيقية هي آخر ما ينتهي إليه الفعل و يسكن لديه الفاعل المقتضي كما أن المبدأ في الحقيقة أول ما يفتقر إليه صدور الفعل و قوله و كما جاز أن يكون سلسلة الحوادث ذاهبة إلى غير النهاية بلا أول لا أول له فلم يكن شيء منها مبدأ ذاتيا و لا فاعلا حقيقيا لأن ذلك مما لا يجوز وجود ماهية المعلول و قوام حقيقته بدونه فكذلك يجوز أن يذهب سلسلة الغايات لا إلى نهاية فلا يكون شيء منها غاية حقيقية بناء على ما ذكرنا من أن الغاية بالحقيقة هي آخر ما يسكن إليه و هكذا حكم