الحاشية على الإلهيات - الملا صدرا - الصفحة ١٣٩ - الفصل التاسع في الكيفيات التي في الكميات
الموضع بالجملة بناء هذه الأحكام من الشيخ و متابعيه على عدة أمور أحدها أن مدرك سواء كان نفسا أو عقلا أو إلها لا يعقل بالحقيقة إلا ذاته أو ما هو صفة ذاته و الآخر أن النفس الإنسانية منذ أول حدوثها إلى غاية كمالها لها درجة واحدة في الوجود و حد واحد من الكون و إنما يستكمل ما يستكمل منها بعوارض زائدة عليها خارجة عن حقيقتها بناء على نفي الاشتداد الجوهري و الحركة الذاتية و الآخر أن ماهية واحدة لا يمكن أن يكون لها أنحاء متفاوتة في الوجود بعضها مادي و بعضها مجرد أو بعضها حسي و بعضها عقلي بناء على نفي التشكيك في الذاتيات مع أن ذلك لا يوجب التشكيك في نفس الماهية بل في وجودها و الآخر نفي الاتحاد العقلي بين العاقل و معقوله و نفي الاتصال العقلي بين العقل الإنساني و العقل الفعال و الآخر إنكاره للصور المفارقة و التعليميات و لنا في جميع هذه المسائل مقاومات حكمية و مباحثات و تحقيقات و تقويمات سنذكرها في مواضع يليق بها قوله و ذلك إما أن يحصل لنا في أبداننا أو في نفوسنا إلى آخره لما ثبت و تقرر أنا إذا علمنا شيئا بعد ما لم نعلم فلا بد أن يحصل منه أثر في ذاتنا و إلا لاستوت حالاتنا قبل الإدراك و عنده و ذلك الأثر لا محالة أمر وجودي إذ نعلم بالوجدان أن عند علمنا لشيء يحصل لنا أمر كمالي لا أنه يزول عنا شيء فذلك الأثر الوجودي لا بد أن يكون مناسبا للمعلوم مطابقا له و إلا لم يكن علمنا به دون غيره و حيث ظهر أنه ليس نفس وجوده كما بينه فهو معناه و ماهيته و لا يخلو إما أن يكون حصول ذلك المعنى و الأثر في نفوسنا أو في قوانا البدنية و الثاني مستحيل لأن المعاني العقلية ليست بذوات أوضاع و لا قابلة للانقسام فيمتنع حصولها في القوى الجسمانية لاستحالة حصول الأمر الغير المنقسم أصلا في منقسم بالفعل أو بالقوة و ذلك لأن انقسام المحل يستلزم انقسام الحال و لو بالفرض و المعنى العقلي لا يمكن القسمة المقدارية فيه لا بالذات و لا بالعرض فبقي أن تلك المعاني و الآثار الحاصلة لنا عند علمنا بالجواهر الخارجية مفارقة كانت أو مادية إنما يحصل في نفوسنا لا في أبداننا قوله و لأنها آثار في النفوس لا ذوات تلك الأشياء إلى آخره يريد بيان عرضية الصور العلمية الحاصلة للنفوس من الجواهر العينية عقلية كانت أو طبيعية بأن الحاصل فينا منها آثار مطابقة لها و ليست ذواتها بعينها كما مر و لا أيضا أمثالها المشاركة لها في نوعها و إلا لزم أن يتكثر أفراد معنى واحد نوعي جوهري لا موضوع له من غير أسباب مادية مقارنة لوجودها و هو مما قد بين امتناعه فبقي أنها أعراض قائمة بنفوسنا و الحاصل أن الحاصل لنفوسنا من تلك الجواهر لا يخلو إما أن يكون نفس ذواتها و أمثال ذواتها أو أمثلة ذواتها و صور معانيها و الأول و الثاني باطلان أما بطلان الأول فلامتناع أن يكون لذات شخصيته نحوان من الوجود و أما بطلان الثاني فلامتناع حصول أفراد متعددة عقلية لنوع واحد فبقي الشق الثالث حقا و هو كون الحاصل منها أعراضا قائمة بنفوسنا فيكون من الكيفيات النفسانية و هو المطلوب في هذا الفصل و وجد في بعض النسخ قوله و هذا الفصل يليق بالطبيعيات و في بعضها لم يوجد هذا في الفصل و في بعضها كتب على الحاشية و الحق أن هذا البحث مما يليق بيانه بالعلمين لكن في كل منهما بوجه فإن كان البحث من جهة كيفية الوجود للصور العلمية كان من الإلهيات و إن كان من جهته أنها من أحوال النفس و صفاتها كان لائقا بالطبيعيات بقي في هذا المقام كلمة و هي أن العلم ليست حقيقة منحصرة في الكيفية النفسانية بل حقيقته حقيقة الوجود بشرط سلب المادة فالعلم كالوجود حقيقته واحدة متفاوتة المراتب شدة و ضعفا و كمالا و نقصا و تقدما و تأخرا فهو في الواجب واجب و في العقل عقل و في النفس نفس و في الحس حس و في الجوهر جوهر و في العرض عرض و سنزيدك إيضاحا
[الفصل التاسع: في الكيفيات التي في الكميات]
قوله فصل في الكلام في الكيفيات التي في الكمية و إثباتها إلى آخره قد علمت أن لمقولة الكيفيات أجناسا أربعة أحدها الكيفيات المحسوسة و قد وقع البحث عن ماهياتها و أقسامها و أحوالها في المنطق و في الطبيعيات و عن نحو وجودها و عرضيتها في هذا الفن كما سبق و ثانيها الاستعدادات كالقوة و اللاقوة و ثالثها النفسانيات كالعلم و القدرة و الإرادة و الشهوة و الغضب و قد وقع البحث عن أكثرها في كتاب النفس و كتاب الحيوان من الطبيعيات و عن نحو وجود العلم و عرضيته في الفصل السابق و رابعها المختصة بالكميات كالزوجية و الفردية و التشارك و التباين و الصمم و الجذرية و المجذورية و التكعيب و غيرها و كالكرية و الاستدارة و المخروطية و الأسطوانة و سائر الأشكال المسطحة و المجسمة فالبحث من إثبات وجودها وقع في هذا الفصل حيث قال و قد بقي جنس واحد من الكيفيات محتاج إلى إثبات وجوده و إلى التنبيه على كونه كيفية و هذه هي الكيفيات التي في الكميات اعلم أن هذا النوع من الكيفية هي التي يعرض للكم بما هو كم أولا و بالذات و بواسطته للجسم بالعرض فإن الشكل مثلا و كذا الانحناء و الاستقامة يعرض أولا للمقدار و الزوجية و الفردية تعرضان أولا للعدد و بواسطته للجسم المعدود و ما يعرضه و اعترض هاهنا بأن الخلقة و هي عبارة عن مجموع اللون و الشكل يعرض أولا للجسم الطبيعي فإنه ما لم يكن جسم طبيعي لم يكن هناك خلقة و أجيب بأن الأمور العارضة للكمية منها ما هي عارضة لها بسبب أنها كمية على الإطلاق و منها ما هي عارضة لها بسبب أنها كمية شيء مخصوص و في كلا القسمين العارض من عوارض الكمية ثم إن اللون حامله الأول هو السطح كما علم و الجسم بنفسه غير ملون بل معنى كونه ملونا