الحاشية على الإلهيات - الملا صدرا - الصفحة ٢٠٧ - الفصل السادس في بيان الفصل و تحقيقه
هاهنا مبادي الفصول و هناك نفس الفصول فإن النطق إنما هو مقول على نطق زيد و نطق عمرو و نطق بكر بالتواطؤ فجاز أن يكون فصل نوعها المتقوم به و يكون مطلق الإدراك المقول على هذه الإدراكات النطقية جنسها و كذا الحس المحمول على السمع و البصر و الذوق و على أشخاص كل منهما بالتواطؤ جنسها و مطلق الإدراك جنس جنسها و ذلك لأن الخمسة أنواع مختلفة للحس لاختلافها في نحو الوجود فإذن لم يكن الحس و النطق فصلا للحيوان و الإنسان محمولا عليهما بالتواطؤ فليس الحس حيوانا و لا النطق إنسانا بل الحس و الناطق فصلان محمولان على الحيوان و الإنسان مواطاة لأنهما متحدان بهما و بجنسهما و أما كيفية ذلك فقد علمت فيما سبق حيث تكلم فيه الشيخ و بين أنه كيف يكون الجنس هو الفصل و كيف يكون هو النوع في الوجود بالفعل مع تغاير الجنس و الفصل في المفهوم و تغايرهما و النوع فيه و افتراق بعضها عن بعض و علمت أيضا ما حققناه و تممنا الكلام من جهة اشتمال الصورة التي بإزاء الفصل بوحدتها على جميع المعاني التي يتركب منها النوع بحسب أجزائه الوجودية الخارجية أو الذهنية فإن النوع و إن كان في المركبات فإنه بالحقيقة شيء واحد في الوجود الذي للصورة الخارجية و هو الجنس إذا صار كاملا محصلا موصوفا بالفصل بالفعل بمعنى أنه يحمل على ذلك الشيء الواحد الصوري معنى الجنس الموصوف بالفصل المعين بالفعل و إنما مغايرة الجنس و الفصل في ذلك الوجود بحسب العقل و إذا احتال العقل و فصل بينهما و ميز الجنس عن الفصل بأن أخذ كلا منهما بشرط أن لا يعتبر معه إلا نفسه و يكون غيره خارجا عنه في الوجود سواء كان عارضا له أو مفارقا عنه فهما حينئذ مادة و صورة عقليتان في كل نوع و مادة و صورة خارجيتان أيضا في الأنواع المركبة التي قد يوجد جنسها في شيء آخر بدون فصله و هما بذلك الاعتبار غير مقولين على النوع لأن الجزء لا يقال على الكل ما أقوله إلى آخره اعلم أن امتياز الأشياء بعضها عن بعض بعد اشتراكها في أعم المحمولات كالوجود و الشيئية و الإمكان العام و المعلومية يوجد بأحد ثلاثة أمور عند الجمهور من المشائين و بأحد أربعة عن الرواقيين إما بتمام الذات كالسواد و الحركة و إما ببعض الذات كامتياز الإنسان عن الفرس بفصل هو الناطق بعد اشتراكهما في الحيوانية و عن الشجر بفصل هو الحساس بعد اشتراكهما في الجسم للنامي و عن الحجر بفصل هو النامي بعد اشتراكهما في الجسم و عن المفارق بفصل هو القابل للأبعاد بعد اشتراكهما في الجوهر و إما لعارض وجودي أو عدمي فالأول كامتياز الضاحك عن الكاتب بعد اشتراكهما في تمام الذات و الثاني كامتياز الفصل كالناطق عن النوع كالإنسان بعدم دخول مفهوم الحيوانية فيه و دخوله في الإنسان و إما بالشدة و الضعف كتفاوت أفراد الوجود عندنا مع اشتراكهما في طبيعة الوجود التي هي أمر بسيطة لا جزء لها خارجا و لا عقلا إذا انتقش هذا التصوير على صفحة الخاطر فنقول كلما كان الاشتراك بين شيئين في أمر ذاتي لهما فلا بد من الامتياز الذاتي أيضا و كلما كان بأمر عرضي لهما فلا يجب الامتياز به و كلما كان الاشتراك بذاتي لأحدهما و عرضي للآخر كاشتراك النوع و فصله في جنسه فلا بد من امتياز أحدهما عن الآخر بالدخول فيه و الخروج عنه و لما كان الجنس عبارة عن كمال المشترك الذاتي و الفصل عبارة عن كمال المميز الذاتي و صريح الفصل حاكم بمغايرة جهة الاشتراك لجهة الامتياز وجبت أن يكون معنى الجنس خارجا عن معنى الفصل و كذلك العكس و إن اتحدا في الوجود عند هذا التحقيق ينحل عقدة من قدح في وجود الفصل بأن قال لو كان امتياز شيء عن غيره بالفصل و ذلك الفصل لعدم كونه أعم المحمولات يجب أن يكون متميزا عن غيره بفصل آخر و يلزم منه التسلسل في وجود الفصول إلى غير نهاية لأنا نقول نحن ما حكمنا بأن التميز كيف ما كان يجب أن يكون بالفصل بل بالشرط المذكور و هو أن المشترك فيه كان ذاتيا لهما جميعا و الفصل و إن كان مشاركا للنوع المتقوم به أو لفصل لنوع آخر في أمر لكن ذلك الأمر ليس ذاتيا و جنسا لهما جميعا فالناطق الذي يتميز به الإنسان عن الفرس المشتركين في الحيوانية متميز عن الناطق الذي هو الإنسان بقيد سلبي هو أنه ليس يدخل في مفهومه الحيوان أو يدخل في مفهوم الناطق الذي هو الإنسان ذلك و متميز عن الحيوان الذي يحمل عليه بذاته لعدم مشاركته له
في الماهية فيكون انفصاله عنه بنفس ذاته و كذا متميز عن فصل الفرس بنفس ذاته لا بقيد زائد و لا لجزء فانقطع التسلسل اللهم إلا أن يقال إن الناطق مشارك لشيء آخر في شيء من الذاتيات فحينئذ يستدعي فصلا آخر و لكن لا يلزم منه التسلسل لأنه لا يجب أن يكون بكل حقيقة شيء يشاركها في شيء من المقومات و إلا لزم تركب الشيء من أجزاء غير متناهية و هو محال كما يبرهن عليه قال الرازي صاحب الملخص في مثل هذا المقام إن هذا لا يتخلص من الشكوك إلا إذا جعلنا الجوهرية من قبيل اللوازم الخارجية بالنسبة إلى ما تحتها إذ لو كانت من المقومات و فصل الجوهر يجب أن يكون جوهرا فحينئذ يكون الفصل مساويا للنوع في أمر مقوم له و هو الجوهر و يباينه في الماهية فيلزم أن يكون للفصل فصل آخر إلى غير النهاية