الحاشية على الإلهيات - الملا صدرا - الصفحة ٦ - الفصل الاول في موضوع الفلسفة
المفارقات كذلك النظر في مبدإ جميع الموجودات من حيث هو مبدأ جزء من العلم الأعلى و أما النظر فيما يخصه من حيث هو هو فإنه يتعلق بالنظر في العلم الذي موضوعه المفارقات و هو العلم الذي ينظر في الأمور المجردة عن المادة و الحاصل أن الذي عمومه عموم الموجود و الواحد لا يجوز أن يكون العلم بالأشياء التي تحته جزء من علمه لأنها ليست ذاتية له من أحد وجهي الذاتي المذكور في كتاب البرهان و لا العام يؤخذ في حد الخاص بل يجب أن لا يكون العلوم الجزئية أجزاء منه و إنما يجب أن يكون سائر العلوم تحت العلم الناظر في الموجود بما هو موجود و الواحد بما هو واحد و الفرق حاصل بين كون علم جزءا لعلم آخر أو كونه تحته و لأن لا موضوع أعم منهما فلا يجوز علم الناظر فيهما تحت علم آخر و لا جزء له قوله كان غريبا من الطبيعيات الأولى في الاعتذار ما ذكرناه كما مر لأنه إذا تطرق إثبات المطالب الغريبة عن علم في ذلك العلم لم ينضبط أجزاء العلوم و أحوالها فيدخل بعض العلوم و يختلط و من ذلك القبيل أيضا إثبات كثيرة المحركات العقلية في علمي السماء و العالم من الطبيعي و إثبات النفس المجردة للإنسان في علم المركبات العنصرية منه و الوجه في الجميع ما ذكرناه قوله كلها أربعة الأول مجرور و الثاني مرفوع و الكلية نعت لما عدا المضاف من أفراد المضاف إليه كما في قوله تعالى خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ* وَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ* و قولنا الأرض تحت جميع العناصر و المحدد فوق جميع الأفلاك قوله إلا واحدا منها و هو الفاعل للكل و إنما لم يمكن القول بكونه موضوعا لهذا العلم لما مر من البيان آنفا و في بعض النسخ لا واحد منها أي السبب الفاعلي بخصوصه كما مر أو أي واحد من الأربعة و المراد أنه لا اختصاص لواحد من الأسباب القصوى بكونه موضوعا لهذا العلم دون غيره قوله ليست من الأعراض الخاصة بالأسباب بما هي أسباب إلى آخره المراد أن مثل الكلي و الجزئي و القوة و الفعل و إن صح أن يكون من أحوال الأسباب بما هي أسباب إلا أنها ليست مختصة بها لأنها كما يوصف بها الأسباب القصوى بما هي أسباب يوصف بها غير تلك الأسباب كالمعقولات و كالأسباب الجزئية و قد ثبت أن محمولات المسائل يجب أن يكون من الأعراض المختصة الذاتية للموضوع و إنما قيد الأسباب بقوله بما هي أسباب لأن تلك الأحوال من الأعراض الذاتية للأشياء الموجودة بما هي موجودة مطلقة أو واحدة مطلقة أو ما يجري مجراهما فإذا بحث عن أحوال الأسباب لا من حيث هي أسباب بل من حيث هي موجودة كان البحث فيها عن أحوال الموجود المطلق فيكون هو الموضوع لا هي قوله ثم من البين الواضح أن هذه الأمور إه هذا ثاني الوجوه على أن موضوع هذا العلم ليس هو الأسباب القصوى و تقريره على وجهين لأن المراد بهذه الأمور في كلامه إما الأسباب القصوى و إما مثل الكلية و الجزئية و نظائرهما فعلى الأول تقول أن موضوع العلم يجب أن يكون مسلما في العلم الذي يبحث عن أحواله الخاصة و هذه الأسباب وجوداتها و كونها أسبابا من الأمور التي يجب البحث عنها إذا ليست بينة و لا هي من الأعراض الخاصة لموضوعات سائر العلوم الطبيعية و التعلمية و غيرهما فيجب أن يبحث عنها في هذا العلم فكيف يكون موضوعا هاهنا و على الثاني نقول من البين الواضح أن مثل الكلي و الجزئي و القوة و الفعل و القديم و الحادث و الواحد و الكثير و غيرها من الأمور الشاملة للأسباب و غيرها في أنفسها و من حيث عمومها و إطلاقها من المطالب التي لا بد من البحث عنها في شيء من العلوم لابتناء كثير من المقاصد الضرورية العلمية على البحث عنها ثم لا شيء من العلوم مما يقع فيه البحث عن هذه الأمور على وجه العموم إلا هذا العلم فيكشف أن البحث الواقع عنها في هذا العلم لا يجوز أن يكون على وجه اختصاصها بالأسباب الأربعة القاصية و إلا لوجب استيناف البحث عنها على وجه العموم أيضا فيكون البحث على هذا الوجه لغوا و أجنبيا في هذا العلم قوله و أيضا فإن العلم بالأسباب المطلقة اه هذا ثالث الوجوه و حاصله أن البحث عن أحوال الأسباب القصوى بما هي أسباب مطلقة فرع ثبوتها و إثباتها على الإطلاق تتوقف على معرفة أن في الوجود موجودات متعلقة الوجود بأسباب فاعلية و قابلية و صورية و غائية ليصح البحث عنها من حيث إنها أسباب مطلقة و إثبات
السببية و المسببية بين شيئين لا يمكن بالحس لأن غاية ما يدرك بشيء من الحواس في باب العلاقة ليس إلا الموافاة و المصاحبة بين شيئين و هي لا يوجب العلاقة الذاتية إذ ربما كانت موافاة اتفاقية و صحابة غير تعلقية و أما حكم النفس بكون بعض الأمور سببا لبعض كالنار للإحراق و الزنجبيل للسخونة من جهة كثرة الإحساس لوقوع أحدهما عقيب الآخر كما في التجربيات فذلك لا يتم إلا بضم مقدمة أخرى عقلية و هي أن الأمور الأكثرية و الدائمية لا يكون اتفاقية بل لها سبب ذاتي فيتوقف إثبات هذه السببية التي يراد إثباتها بالحس و التجربة بين الشيئين كالنار و الإحراق مثلا على سببية مطلقة ثابتة بين الأشياء قبل إثبات هذه السببية و تلك السببية أيضا ثبوتها غير بين بل هي أمر مشهور و ليس كل مشهور حقا و لا مستغنيا عن البرهان فإذن كون بعض الموجودات أسبابا مطلقة أي فاعلا و غاية و مادة و صورة على الإطلاق لا يثبت إلا بالبرهان العقلي و موضع إثباتها ليس إلا في العلم الأعلى و