الحاشية على الإلهيات - الملا صدرا - الصفحة ١٨٨ - الفصل الثاني في كيفية كون الكلية للطبايع الكلية
التي في الذهن لها أيضا هوية لأنها موجودة من جملة الموجودات و لها أيضا تخصص بأمور منها منطبعة في الذهن و منها أنها لا يشار إليها إشارة حسية و منها أنها لا يقبل الانقسام المقداري و ليست بموجودة أيضا في كثيرين و لا شركة للكثيرين فيها باعتبار وجودها فيهم و ليس معنى الشركة إلا المطابقة فإن كانت الذهنية كليتها باعتبار المطابقة فالجزئيات تطابق بعضها بعضا فيجب أن يكون الجزئيات أيضا كلية و إن قلتم كون الجزئيات متخصصة منعها عن مطابقة الكثيرين فالماهية الذهنية أيضا متخصصة بالانطباع في الذهن و التجرد عن المقدار و الوضع فإن الإنسانية كما لا يقتضي المقدار الخاص و الوضع الخاص لا يقتضي التجرد عنها و إلا لم يوجد إنسانية مقترنة بهذه العوارض الغريبة و صاحب المطارحات ذكر هذه الشبهة و ذكر التفصي عنها بأن الأمر الخارجي ليس وجوده وجودا إدراكيا و الصورة الذهنية و إن كانت من حيث تعينها يمتاز عن صورة أخرى لنوعها و هي جزئية من الجزئيات إلا أنها ذات ليست متأصلة في الوجود ليكون ماهية بنفسها أصلية بل مثال و كل مثال إدراكي لما وقع أو سيقع فمن حيث إنها مثال إدراكي لأمر خارج و يصح مطابقته للكثرة يسمى كلية و ذاتها إنما حصلت لمطابقة كثرة و للمثالية و أما الخارجي فليست ذاته أنه مثال لشيء آخر انتهى كلامه أقول فيما ذكره ما هو قريب صحيح و ما هو بعيد فاسد أما كون الأمر الخارجي ليس وجوده وجودا إدراكيا مثاليا فصحيح لكن لا يلزم أن يكون كل ما وجوده إدراكي مثالي كليا فإن من المثال ما هو جزئي أيضا كالصور الحسية و الخيالية و أيضا لا نسلم أن الصور العقلية إنما وجدت لأن يكون أمثلة للخارجيات بل لها وجود في أنفسها عرض لها كونها مثالا لغيرها إذ ليست هي من مقولة المضاف على أن كون الذهني مثالا للخارجي دون العكس موضع تأمّل لأن المماثلة من الجانبين و ليس منشأ كلية الأمر الذهني كونه واحدا و الخارجيات من الأشخاص متعددة إذ قد علمت أن المثالي أيضا قد يقع متعددا كالخارجي و قد يكون الخارجي من الماهية واحدا و الذهني منها متعددا كالشمس مثلا فإن صورتها في الأذهان متعددة و شخصها الخارجي واحد بل الحق في هذا المقام أن للخارجيات من نوع واحد التي وجوداتها المادية يقتضي الانفصال و التفرقة بالفعل أو بالقوة و كونها مغمورة في حجب الأعدام و النقائص أصلا كماليا عقليا له وجود شديد عقلي يفيض منه الوجود أو بواسطته على هذه الخارجيات على قدر استعدادها فهو الأصل في نوعها و هذه كالفروع و الرقائق و نسبته إليها نسبة مقوم الماهية و الذاتي إلى الماهية لأن وجوده مقوم وجوداتها فبهذا الوجه يصح اشتراكه بينها لتساوي نسبته إليها دون نسبة واحد منها إلى البواقي و أن يحمل معناه و مفهومه عليها و كذا الصورة العقلية التي في الأذهان و أما قولهم إن الصورة العقلية من حيث وجودها و تعينها ليست مشتركة بين كثيرين و لا كلية فليس الأمر كما زعموا إذ التعين العقلي لا ينافي الكلية و الاشتراك بل يؤكدهما كما علمت قوله فقد تحققت إذن الكلي في الموجودات ما هو إلى آخره أقول يجب عليك أن تعلم الفرق بين الماهية لا بشرط التي في ذاتها ليست بكلي و لا جزئي و لا غيرهما من المفهومات إلا نفسها لا بمعنى أنها في حد نفسها يحمل عليها نفسها حملا شائعا لأن ذلك أيضا إنما يكون بعد أن يكون موجودة و بين الكلي أي المعروض لأحد المعاني المذكورة التي مفهوماتها كليات منطقية و معروضاتها كليات طبيعية و هذا المعنى المنطقي لا يعرض الماهية إلا بعد وجودها لأن الوجود أول ما يعرض الماهية فالكلي الطبيعي ما له نحو من الوجود يقبل الشركة بين كثيرين و هو لا يكون إلا وجودا عقليا سواء قام بذاته أو بغيره إذ الوجود الحسي ليس من شأنه الاشتراك إلا بعد تجريده عن المكان و الوضع و غيرهما و رأي الشيخ أن الكلي بهذا المعنى لا وجود له مفردا في الأعيان و لو في الأعيان العقلية بل إنما هو وجوده كالكلي المنطقي في النفس لا في الخارج لكنه موجود في الخارج مخلوطا بالشخصيات متعددة بتعددها لا كما زعمه بعض معاصريه أن الماهية من حيث هي واحدة بالعدد في الخارج قد عرض لها جميع التشخصات الخارجية و من حيث هي عرض لها تشخص زيد تلك بعينها من حيث عرض لها تشخص عمرو حتى يكون إنسانية زيد بعينها إنسانية عمرو و هكذا إنسانية بكر و خالد و غيرهما إنما التغاير بينها بمجرد الإضافة و الاعتبار لا غير كنسبة أب واحد لأبناء متكثرة و إليه
الإشارة بقوله إنما يتشكك من أمره هل له وجود على أنه عارض إلى قوله و خالد يعني هل للكلي وجود على أن ذلك الوجود عارض لشيء واحد معين من جملة الأشياء فيكون ذلك الشيء إنسانا مثلا هو ذات واحدة بعينها موجودة بوحداتها المعينة المكثيرين كزيد و عمرو و خالد و هذا الوهم فاسد يحكم بفساده من له أدنى معرفة قوله أما طبيعة الإنسان من حيث هو إنسان إلى آخره يريد بيان أن الطبيعة الكلية كالإنسان المطلق لا يمكن أن يكون مع وصف الكلية موجودة في الخارج بل إنما وجودها في النفس فذكر أن طبيعة الإنسان بما هو إنسان شيء و أنها موجودة شيء غير أنها إنسان بالاعتبار و أنها كلية شيء يلحقها مع الوجود لكن لا في الخارج بل في النفس