الحاشية على الإلهيات - الملا صدرا - الصفحة ٢٤٨ - في بيان أنه لا يجوز أن يكون شىء واحد فاعلا و قابلا
فنقول إذا جوزتم ذلك فلم لا يجوز أن يكون اقتضاء الجسمية لذلك التحريك بشرط حصول حالة متنافرة حتى يتجدد أجزاء الحركة بسبب القرب و البعد من تلك الحالة المنافرة و ينقطع الحركة عند زوالها و حينئذ لا يمكن أن يدفع ذلك إلا بأن يقال لو كانت الجسمية لذاتها يطلب حالة مخصوصة كان كل جسم كذا و هذا هو الحجة الخامسة فإذن يحتاج في تقرير تلك الطرق الثلاثة إلى الاستعانة بالطريقة الرابعة فلنتكلم عليها فنقول كل جسم فله مقدار و صورة و هيولى أما مقداره فهو الأبعاد الثلاثة و لا شك أنها طبيعة مشتركة بين الأجسام كلها و أما الصورة الجسمية فلا بد من إقامة البرهان على أنها واحدة في الأجسام كلها و ذلك لأنها لا يمكن أن يكون عبارة عن نفس القابلية لهذه الأبعاد لأنها أمر إضافي و الجسمية من مقولة الجوهر فكيف يكون نفس هذه القابلية بل تلك الصورة عبارة عن ماهية جوهرية يلزمها هذه القابلية و إذا ثبت أن الجسمية أمر يلزمه هذه الأبعاد فمن الجائز أن يكون مختلفا في الأجسام و إن كانت مشتركة في هذا الحكم و الأمور المختلفة يجوز اشتراكها في لازم واحد ثم إن سلمنا أن الأجسام مشتركة في الصورة الجسمية و لكنها غير مشتركة في مادة الجسم فهب أن الجسمية ليست علة للحركة فلم لا يجوز أن يكون هي مادتها المخصوصة فإن قيل إن المادة قابلة ليست فاعلة كان رجوعا إلى الحجة الأول أقول هذا الاعتراض بتمامه لصاحب كتاب الملخص و قد تكلم أيضا في الحجة الأولى بما لا فائدة في إيرادها بعد ما يمكن دفعها بأصول مذكورة في هذا الشرح و نحن قد دفعنا اعتراضه المذكور في كتاب الأسفار مستقصى من أراد فليرجع إلى هناك لكن الذي لا بد من بيانه هاهنا هو تتميم الحجج الثلث من غير استعانة فيها بالحجتين الباقيتين و هو أن كل فاعل مستقل لا يفتقر فعله إلى قابل غيره فلا يمكن أن يكون فعله مختلفا و لا متغيرا و لا منقطعا ما دام الفاعل موجودا فإذا فرض كون الجسمية علة مقتضية للحركة من غير موضوع مغاير لزم التوالي الثلاثة من امتناع السكون و اجتماع أفراد الحركة و عدم حدوث الحركة أو كونها دفعية و اللوازم كلها باطلة بديهية فكذا الملزوم بيان اللزوم ما أشرنا إليه من أن السبب للشيء إذا كان محض الفاعل الموجب كان حكم بهذا الحكم و ليس معه ما يزيله عن حكمه إذ كل ما يفرض فيه يكون نفسه و إلا يلزم خلاف المقدر حتى إن الجسم لو فرض كونه سببا فاعليا لمقداره بلا قابل غيره أو قابلا له بلا فاعل غيره لم يمكن أن يكون جزؤه المقداري مخالفا لكله و ذلك لعدم سبب الاختلاف فحينئذ لم يكن المقدار مقدارا إذ كل مقدار لا بد أن يكون جزؤه مخالفا لكله فعلم من هذا أنه إذا لم يكن الفاعل و القابل أمرين متغايرين لا يمكن حصول الاختلاف في الأفاعيل أصلا و أما إذا كان العنصر غير الفاعل فيمكن الاختلاف فيها بحسب لحوق أمور خارجية فإن العنصر من حيث هو عنصر شأنه الإمكان فقط فلا يقتضي شيئا أصلا و لا يأبى عن شيء و الفاعل إذا كان بسيطا لا يقتضي إلا غير مختلف ثم البرهان قائم على وجود العناصر و القوابل لتحقق الحدوث على وجود الحركات و الأفعال فإن كان السبب عنصرا فقط فلا يمكن وجود حادث إذا الشيء ما لم يجب لم يوجد و إذا كان فاعلا فقط فلا يمكن التغير و اللازم في كلا القسمين باطل فبقي أن يكون السبب اثنين متغايرين أحدهما الثابت الموجب للبقاء و الثاني المتغير الممكن للزوال بسبب أمر آخر غير الفاعل المقتضي للزوال و من جوز كون الصورة الجسمية أو شيء آخر مجردا عن المادة يفعل شيئا متغيرا فقد أثبت المادة من حيث نفاها و هو لا يشعر ثم زاد في الطنبور نغمة و قال إن الفلك غير قابل للكون و الفساد فيكون ما له من الشكل و الوضع واجب الحصول له فذلك إن كان لجسميته مع أنه لم يلزم أن يكون كل جسم كذلك فليكون الحركة أيضا لجسمية و إن لم يكن كل جسم متحركا و إن كان لأمر في الجسمية فذلك الأمر إن لم يكن ملازما لها لم يكن اللازم بسببه ملازما للجسمية و إن كان ملازما عاد التقسيم و لا ينقطع إلا بأن يقال تلك الأوصاف غير لازمة لجسمية الفلك ففيه تجويز للخرق و الفساد أو أنها لازمة للجسمية المطلقة إما بغير واسطة أو بواسطة ما يلزمها مع أن تلك الأوصاف غير مشتركة في الجميع فليكن الحركة كذلك و إن قيل إن تلك الملازمة لما حلت
فيه الجسمية و هو المادة فإن الأفلاك لكون مادتها مخالفة لسائر المواد كانت مقتضية لتلك الأشكال و المقادير و الجسمية أيضا حصلت الملازمة بين الجسمية و تلك الأمور فعلى هذا نقول لم لا يجوز أن يكون لبعض الأجسام مادة مخصوصة مخالفة لسائر المواد و هي لذاتها يقتضي حركة مخصوصة و لا يلزم منه اشتراك الأجسام في ذلك انتهى أقول هذه مغالطة مبناها على الغفلة عن أحوال الماهية و كيفية ارتباط الجنس و ما يجري مجراه بالفصل و ما يجري مجراه من الأمر المحصل إياه نوعا محصلا في العقل أو الخارج و عن معرفة أن الصورة الفلكية بل كل صورة من الصور المخصوصة التي هي المحصلة للجسمية التي في الأنواع المحصلة و كذا كل فصل لنوع هو المحصل الماهية الجنس الذي فيه و كل صورة هي المفيدة للمادة المخصصة بها لا أن الجسمية علة للصورة أو الجنس علة للفصل فليست جسمية