الحاشية على الإلهيات - الملا صدرا - الصفحة ١٦ - الفصل الثالث في منفعته و مرتبته و اسمه
مقدماته مشهورة أو مسلمة و السوفسطائي من كانت مقدماته كاذبة قوله و أما مخالفته للجدل خاصة فبالقوة إلى آخره و اعلم أن بين الحكمة و الجدل مخالفة بوجه آخر و هي المخالفة بحسب الغاية فغاية الحكمة هي تكميل النفوس بحسب الحقيقة و الواقع و الغرض من الجدل هو عموم الاعتراف من الخلق لرعاية المصلحة و حفظ النظام قوله و أما مخالفته للسوفسطائية فبالإرادة إلى آخره قال الشيخ في الفصل الأول من الفن السابع من المنطق و هو في المغالطات أن المغالطين طائفتان سوفسطائي و مشاعي فالسوفسطائي يتراءى بالحكمة و يدعي أنه مبرهن و لا يكون كذلك بل أكثر ما يناله أن يظن به ذلك و أما المشاعي فهو الذي يرى بأنه جدلي و أنه إنما يأتي في محاوراته بقياس من المشهورات المحمودة و لا يكون كذلك و الحكيم بالحقيقة هو الذي إذا قضى بقضية يخاطب بها نفسه و غير نفسه أنه قال حقا و صدقا فيكون قد عقل الحق عقلا مضاعفا و ذلك لاقتداره على تميز بين الحق و الباطل حتى إذا قال قال صدقا فهذا هو الذي إذا فكر و قال أصاب و إذا سمع من غيره قولا و كان كاذبا أمكنه إظهاره و الأول بحسب ما يقول و الثاني بحسب ما يسمع قوله يريد أن يظن به أنه حكيم إلى آخره قال في الفصل المذكور أيضا و يشبه أن يكون بعض الناس بل أكثرهم يقدم إيثاره يظن الناس به أنه حكيم و لا يكون حكيما على إيثاره لكونه في نفسه حكيما و لا يعتقد الناس فيه ذلك و لقد رأينا و شاهدنا في زماننا قوما هذا وصفهم فإنهم كانوا يتظاهرون بالحكمة و يقولون بها و يدعون الناس إليها و درجتهم فيها سافلة فلما ظهر أنهم مقصرون و ظهر حالهم للناس أنكروا أن يكون للحكمة حقيقة و للفلسفة فائدة و كثير منهم لما لم يمكنه أن ينسب إلى صريح الجهل و يدعي بطلان الفلسفة من الأصل و أن ينسلخ كل الانسلاخ عن المعرفة و العقل قصد المشائين بالثلب و كتب المنطق و التأنين عليها بالعيب فأوهم أن الفلسفة أفلاطونية و أن الحكمة سقراطية و أن الدراية ليست إلا عند القدماء من الأوائل و الفيثاغورثيين من الفلاسفة و كثير منهم قال إن الفلسفة و إن كانت لها حقيقة ما فلا جدوى في تعلمها و إن النفس الإنسانية كالبهيمة باطلة و لا جدوى للحكمة في العاجلة و أما الآجلة فلا آجلة من أحب أن يعتقد فيه أنه حكيم و سقطت قوته عن إدراك الحكمة أو عافة الكسل و الدعة عنها لم يجد عن اعتناق صناعة المغالطي محيصا و من هاهنا يبحث عن المغالطة التي يكون عن قصد و ربما كانت عن ضلالة انتهى
[الفصل الثالث: في منفعته و مرتبته و اسمه]
قوله فصل في منفعة هذا العلم و مرتبته و اسمه إلى آخره معرفة مفهوم المنفعة يتوقف على معرفة الخير فاعلم أن الخير بالذات هو ما يؤثره كل واحد و يبتهج به و يشتاقه و هو الوجود بالحقيقة و تفاوت الأشياء في الخيرية لتفاوتها في الوجود و كل ما وجوده بما أقوى فخيريته أعظم و الشر معنى يقابل الخير تقابل السلب و الإيجاب و هو العدم فالشر الحقيقي لا ذات له بل هو عدم شيء أو عدم كمال لشيء و ما أورده بعض أجلة المتأخرين على هذا من النقص بالألم بأنه شر البتة مع أنه أمر وجودي لأنه عبارة عن إدراك المنافي و الإدراك صفة كمالية قد أجبنا عنه و حللنا و عقدة إشكاله بما يطول الكلام بذكره و أما النفع و المنفعة فهو عبارة عما به يقع الإيصال إلى الخير للسلب الموصل إليه و هو النافع و كذا الضر و المضرة عبارة عما به يقع التأدية إلى الشر للسبب المؤدي إليه و هو الضار فإذن الفرق بين الضار و بين الشر كالفرق بين النافع و الخير في أن الأول وسيلة إلى الثاني فالضار هو السبب الموصل لذاته إلى الشر كما أن النافع هو السبب الموصل لذاته إلى الخير و المعنى الذي به يصير الشيء سببا موصلا إلى الشر هو المضرة كما أن المعنى الذي به يصير الشيء سببا موصلا إلى الخير هو المنفعة و اعلم أن كلا من الضار و النافع مما يختلف بالقياس إلى الأشياء فرب منفعة لشيء يكون مضرة لشيء آخر و أما الخير و الشر فلا يختلفان بالمقايسة فالخير خير في نفسه دائما و الشر شر في نفسه أبدا لأن الخير هو وجود و الوجود بما هو وجود لا يكون إلا خيرا و الشر هو عدم و العدم بما هو عدم لا يكون إلا شرا قوله إذا تقرر هذا فقد علمت أن العلوم كلها يشترك في منفعة واحدة ما من علم إلا و يحصل به ضرب من الكمال للنفس و به يخرج النفس من حد القوة إلى ضرب من الفعل كيف و هو لا محالة كيفية نفسانية و صورة كمالية و نورية ينكشف شيء من الأشياء فيكون خيرا و منفعة من هذه الجهة و أما العلوم المذمومة كعلم السحر و الشعبدة و غيرها فكونها مذمومة ليس من جهة كونها علما بل من جهات أخرى لا ينفك عنها غالبا لكن المشتغلين بها ليس قصدهم في اقتنائها متجها إلى ما ذكرنا بل إلى أغراض أخرى و إلى أن يكون في بعضها إعانة على تحصيل بعض فإذا أطلق لفظ المنفعة في العلوم فعلى الأغلب يراد بها هذا المعنى و هو معونة بعضها في بعض ثم إن المنفعة بهذا المعنى لها إطلاقان إطلاق على وجه أعم و إطلاق على وجه أخص فالإطلاق الأعم هو الذي لا يشترط فيه أن يكون العلم النافع أدون منزلة من العلم الذي هو منتفع فيه و أما الإطلاق الأخص فيعتبر فيه أن يكون المنتفع فيه من العلوم أجل مرتبة و أعلى منزلة من المنتفع به فيها فلا يقال إن الحكمة نافعة في غيرها من العلوم