الحاشية على الإلهيات - الملا صدرا - الصفحة ١٠ - الفصل الثاني في تحصيل الفلسفة
التي وقع البحث عن نحو وجودها و أن وجودها ليس إلا في العقل و لا يجوز البحث عنها من هذه الجهة في علم المنطق لأن البحث عن وجود الموضوع لعلم لا يقع في ذلك العلم كما مر مرارا و لا في علم موضوعه المحسوسات كالطبيعي و الرياضي لأنها غير محسوسة فالبحث عنها أيضا لا بد أن يقع في علم غير هذه العلوم النظرية و ليس هذا العلم إلا العلم الأعلى قوله فبين أن هذه كلها يقع في العلم الذي إلى آخره لما ثبت أن البحث قد يقع من الأشياء التي بعضها من باب الجوهر كنفس الجوهر و الجسم و الصور الجوهرية العقلية و غيرها و بعضها من باب الكم كالمقدار و العدد و بعضها مقولات أخرى كمقولات المنطق التي هي من باب الكيف و غيرها بحثا على الوجه المذكور فظاهر أن البحث عن هذه الأمور على الوجه المذكور لا يقع إلا على علم يتناول ما ليس يفتقر إلى المادة المحسوسة وجودا و تعقلا و معلوم أيضا أنه ليس لكل واحد من هذه الأبحاث موضوع آخر غير جسماني و علم آخر عال بل كلها مما يقع في علم واحد له موضوع واحد و إذا كان كل فموضوعها المشترك الذي يكون تلك الأشياء بوجوداتها و مهياتها أحوالا و أعراضا ذاتية له و أقساما أولية منه لا يمكن أن يكون إلا أمر عام محقق و ليس ذلك إلا الوجود المطلق و الموجود من حيث هو موجود و إنما قيد المعنى العام بالمحقق ليخرج المفهومات العامة الاعتبارية و السلبية كالشيء و الممكن العام و إلا ممتنع و إلا معدوم فإن البحث عن أحوال تلك الأمور ليس من الحكمة الباحثة عن أحوال أعيان الموجودات في شيء قوله و كل قد يوجد أيضا إلى آخره هذا وجه آخر في تحصيل موضوع الفلسفة الأولى و الفرق بين هذا و الوجوه السابقة أن المبحوث عنه المذكور فيها كان من جملة أمور موجودة بالاستقراء بالاستقلال سواء كان وجودها وجود الجواهر أو وجود الأعراض و سواء كان العرض عرضا خارجيا أو عرضا ذهنيا و أما المبحوث عنه المذكور في هذا الوجه فهو من جملة أمور عرضية وجودها وجود موضوعاتها بعينه لكن النفس تحددها و تحققها بأن ينتزعها عن الموجودات و الفرق بينها و بين سائر الأعراض أن وجودات سائر الأعراض في أنفسها وجوداتها لموضوعاتها و أما هذه الأمور فوجوداتها في أنفسها هي بعينها وجودات موضوعاتها و الفرق بينها و بين الوجود أن الوجود نفسه وجود الموضوع و كل من هذه الأمور وجوده وجود الموضوع لا أن نفسه وجود الموضوع لأن لها مهيات غير الوجود بخلاف الوجود إذ لا مهية له قوله و هي مشتركة في العلوم إلى آخره أي يقع استعمالها في كل واحد من العلوم بوجه من وجوه الاستعمال أعم من أن يكون من جهة كونها من المبادي المشتركة في علم أو من المقاصد فيه أو لا هذا و لا ذاك بل يقع الافتقار إلى استعمالها في بيان بعض المقاصد و الغرض أن هذه الأمور ليست مما يستغني عن معرفتها و بيان وجودها حتى لا يجب البحث عنها في شيء من العلوم بل يجب البحث عن وجودها و حدودها ثم لا يتكفل شيء من العلوم الجزئية البحث عنها من الحيثية المذكورة بل بأحد الوجهين الأخيرين إذ لو بحث عنها من حيث وجودها و حدودها في شيء من العلوم الجزئية لكانت هي من العوارض المختصة بموضوع ذلك العلم لأن محمولات مسائل كل علم يجب أن يكون من خواص موضوعه لكن ليس شيء من موضوعات العلوم الجزئية مما يختص بشيء من هذه الأمور فلا بد أن يكون موضوعها من تلك الجهة أمرا عاما و العلم المتكفل بإثبات وجودها و تحقق مهيتها أعم العلوم و أعلاها قوله و ليست من الأمور التي يكون وجودها إلا وجود الصفات للذوات إلى آخره الغرض من هذا الكلام و ما بعده هو التوضيح و التأكيد و دفع التوهمات المضادة للحق أي ليست مما لا وجود لها إلا وجود الذوات المتخالفة الحقائق الموجودة بوجودات مختلفة حتى لا يفتقر إلى استيناف بحثه عنها و عن أحوالها لأن البحث عنها و عن أحوالها على ذلك التقدير راجع إلى البحث عن تلك الذوات و عن أحوالها لأنك قد علمت أنها من جملة الأعراض و الصفات لأنها غير مستقلة الوجود و منشأ هذا التوهم هو كونها من الأمور الانتزاعية التي ليست لها وجود خارجي متميز عن وجود الموضوعات و الذوات فيتوهم أنها عين تلك الذوات و قد مر الفرق بينهما و بين سائر الأعراض بأن وجود سائر الأعراض غير وجود موضوعاتها خارجا و ذهنا و وجود هذه الأمور عين وجود موضوعاتها
في الخارج لكنه غيرها في الذهن لأنها من عوارض المهية لا من عوارض الوجود و لأجل هذه الدقيقة عبر الشيخ عن الحكم بكونها من الصفات لا من الذوات هذه العبارة إشعارا بأنه يكفي في ثبوت عرضيتها أن لها نحوا من الوجود غير وجود الذوات في أي ظرف كان و بأي اعتبار كان لأن ما ليس بعرض هو ما لا وجود له بوجه من الوجوه إلا وجود الذوات قوله و لا أيضا من الصفات التي يكون إلى آخره أي ليست و لا واحد منها من الأمور العامة الشاملة لكل شيء كالشيء و الممكن العام و نحوهما حتى لا يحتاج إلى بحث عن إثباتها و تحديدها و تعريفها فلا يكون مطلوبا في علم من العلوم من الجهة المذكورة قوله و لا يجوز أن يخص بمقولة ليكون موضوع البحث عنها تلك المقولة بخصوصها لا غير قوله و لا يمكن أن يكون من عوارض شيء أي من عوارض مخصوصة