الحاشية على الإلهيات - الملا صدرا - الصفحة ٩ - الفصل الثاني في تحصيل الفلسفة
في نفي ذلك عنه قوله أما الجوهر فبين أن وجوده إلى آخره خلاصة تقرير هذا المنهج على النظم الطبيعي هو أن البحث عن هذه المذكورات من حيث وجودها و مهيتها بحث عن الأمور التي لا تفتقر في وجودها و تعقلها إلى مادة جسمانية و كل بحث عن مثل هذه الأمور يكون بحثا إلهيا و يكون موضوعه مباينا لموضوعات العلوم الطبيعية و الرياضية و المنطقية ينتج أن تلك الأبحاث من الإلهي و موضوعها خارج عن موضوعات سائر العلوم أما الكبرى فقد مر بيانها بإبطال نقيضها و أما الصغرى فهو قوله أما الجوهر إلى آخره قوله بما هو جوهر فقط لفظة فقط يجوز كونها بيانا للإطلاق و كونه بيانا للتقييد أيضا فإن البحث عن الجوهر على كلا الوجهين وقع في العلم الأعلى أما على الوجه الأول ففي العلم الكلي منه و أما على الوجه الثاني ففي علم المفارقات منه و قوله و إلا لما كان جوهرا لا محسوسا بيان لاستغنائه عن المادة بكلا الاعتبارين قوله و أما المقدار فلفظه اسم مشترك إلى آخره لفظ المقدار كلفظ المتصل بالمعنى الذي ليس بمضاف يطلق بالاشتراك الصناعي عند المشائين على معنيين أحدهما من مقولة الجوهر و هو صورة الجسم الطبيعي من حيث هو جسم طبيعي على الإطلاق و ثانيهما من باب الأعراض و هو معنى جنسي مشترك بين الأمور الثلاثة أعني الخط و السطح و الجسم التعليمي و للمتصل الكمي فرد رابع هو الزمان و أما الإشراقيون فهم ينكرون المعنى الأول من المقدار لكن يطلقون المقدار بالمعنى الثاني على الجسم الطبيعي و يجعلون بعض أفراد الكم المقداري جوهر أو بعضها عرضا فالجوهر من الكم المتصل المقداري هو الجسم الطبيعي و العرض هو السطح و الخط قوله و قد عرفت الفرق بينهما ذكر هذا الفرق في الفصل الرابع من المقالة الثالثة من الفن الثاني من المنطق حيث قال الجسم إنما هو جسم لأنه من شأنه و في طباعه بحيث يمكن أن يفرض فيه ثلاثة أبعاد على الإطلاق متقاطعة على حد واحد مشترك لقاطعا على قوائم و هذه صورة الجسمية ثم إذا اختلف الجسمان بأن أحدهما بقبوله الأبعاد أو اثنين منها أو ثلثها أكبر أو أصغر من الأبعاد التي في الجسم الآخر فإنه لا يخالفه في أنه يقبل ثلاثة أبعاد على الإطلاق البتة و يخالفه فيما قبل من الأبعاد على ما ذكر فهو من حيث يقبل ثلاثة أبعاد جسم على الإطلاق و من حيث يقبل ثلاثة أبعاد بعينها أو هي موجودة فيه بالفعل إن أمكن فهو من حيث يقدر سواء كان التقدير لا بعينه البتة إن أمكن أو بعينه و الصورة الجسمية التي هي صورتها الجوهرية التي لا يزيد فيها جسم على جسم فهي من جملة القسم الأول و هي صورة جوهر بل جوهر ليست عرضا و المعين المعروض للتقدير في الأبعاد الثلاثة تقديرا محدودا أو غير محدود فهو العرض الذي من باب الكم انتهى قوله فإنه مبدأ لوجود الأجسام الطبيعية اعلم أن لهذا المعنى أربعة أنحاء من المبدئية بالقياس إلى أربعة أشياء فإنه صورة مقومة لوجود الهيولى الأولى كالعلة الفاعلية للشيء لأنها شريكة فاعل الهيولى و هي علة صورية للجسم بما هو جسم و مقوم لمهيته و هو بالقياس إلى الأجسام الطبيعية النوعية علة مادية أو جزء علة مادية و بالقياس إلى صورها النوعية مادة أو جزء مادة فهو على كل واحد من هذه الأنحاء و الاعتبارات يمتنع أن يكون متعلق القوام بشيء من المواد المحسوسة كيف و قد تضاعفت له جهات التقدم عليها بالذات بهذه الوجوه من العلية كما أشرنا إليه قوله فإن الشكل عارض لازم للمادة إلى آخره مطلق الشكل و كذا مطلق المقدار الجسمي بالمعنى الثاني من لوازم المادة و إنما يثبت عرضيتهما بتبدل أشخاصهما و توارد أعدادهما على المادة المعينة و هي هي بعينهما كما إذا تشكلت الشمعة الواحدة بأشكال مختلفة كالكرة و المكعب و الأسطوانة و غيرها فإن محقق عرضية الأشياء هو جواز تبدل آحادها مع بقاء هوية المحل فتبدل الأشكال على جسم واحد جوهري يظهر عرضية الشكل و إذا ثبت عرضية الشكل ثبت عرضية المقدار فإن نسبة الشكل إلى المقدار نسبة الفصل إلى الجنس و هما متحدان جعلا و وجودا فتبدل أحدهما يوجب تبدل الآخر لا يقال إن الجسم الكروي إذا تكعب فإن مقداره المساحي مساو للذي قد كان أولا لأنا نقول لا مساواة بين الأشكال المختلفة بالفعل بل هي في قوة المتساوية و ما بالقوة غير موجود و بعد و إنما المتساوية في الأجسام من الأجسام هي ما كانت على شكل واحد قوله فليس هو بحثا أيضا أي كما أن البحث عن نحو وجود المقدار بالمعنى الأول بحث عن
أحوال ما لا يتعلق وجوده بالمادة كذلك البحث عن نحو وجود المقدار بالمعنى الثاني بحث عن مثل تلك الأحوال لأن البحث عن أنحاء وجودات الأشياء و مهياتها من وظيفة ذلك العلم كما مر قوله فأما موضوع المنطق من جهة ذاته قط أنه خارج عن المحسوسات إلى آخره الأول تقديم هذا الكلام على قوله ثم البحث عن الجوهر إلخ ليكون داخلا في الوجه الأول الذي مبناه على أن موضوعات سائر العلوم إنما يبحث عن إنيتها و مهيتها في علم آخر هو العلم الأعلى و كأن الشيخ أراد به بيان وجه آخر على إثبات الفلسفة الأولى و تحقيق موضوعها و الغرض أن موضوعات المنطق و هي المعقولات الثانية من جملة الأشياء