الحاشية على الإلهيات - الملا صدرا - الصفحة ١٩٥ - الفصل الثالث في بيان الجنس و المادة
حس و حركة إرادية كان أقوى وجودا في كمال قوته النامية مما إذا كان مادة الحيوان إذ ليس نمو الحيوان و تغذيه و توليد أمثاله كفصل النباتات فإن هذه الأفعال التي يتفق فيها أقوى و أكثر و أدوم مما يتفق من الحيوان و كذا قوة الحس و الحركة في الحيوان العديم النطق قد يكون أقوى مما في بدن الإنسان كله و كما علمت هذا في معنى جنس واحد بالقياس إلى نوع إضافي قريب منه فقس حاله في قوة الوجود و ضعفه بالقياس إلى أنواع إضافية مترتبة تحته بحسب مراتب ضعفه في الوجود فالجسمية في النبات أضعف مما في الجماد و العنصر و في الحيوان أضعف من الأضعف و في الإنسان أضعف من جميع ما سبق و في العقلاء أضعف مما في الجهال و بالجملة كلما هو أكمل صورة فهو أنقص مادة فلا يبعد أن ينتهي مراتب البشرية إلى حيث يبقى صورته النفسانية بمادة مثالية من غير بدن طبيعي بل يبقى صورته العقلية تامة كاملة بلا بدن حيواني أو مثالي و قولنا تامة كاملة معناه أنه يتحقق فيه جميع ما سبق من معاني المواد و الصور و الأجناس و الفصول موجودة بوجود واحد على وجه أعلى و أشرف و إدراك هذا المطلب الغامض اللطيف لا يتيسر إلا بقوة قدسية و نور إلهي ينكشف به الحقائق كما هي قوله و كذلك فافهم الحال في الحساس و الناطق إلى آخره يعني كما علمت الحال في معنى الجنس كالجسم و الحيوان أنه بأي المعنيين مادة و بأيهما جنس فافهم الحال في المعنى الفصلي أنه كيف يكون بأحد المعنيين جزءا صوريا غير محمول و بالآخر فصلا متحد الوجود مع الجنس و النوع فإنك إن أخذت حد الحساس نفس الحساس أو شيئا ذا حس مطلقا سواء كان نفسه أو غير نفسه كالجسم بشرط أن لا يكون مأخوذا معه زيادة أخرى لم يكن فضلا محمولا على الحيوان أو الإنسان بل كان جزءه إذ ليس الحيوان مجرد هذا المعنى بلا زيادة أخرى فيكون جزءا صوريا للحيوان بما هو حيوان و لبدن الإنسان و لا يحمل عليه الحيوان و لا الجسم النامي لصيرورته حينئذ مادة و المادة لا يحمل على الصورة كما لا يحمل عليها المجموع منهما و كذا لا يحمل الحيوان حينئذ على الإنسان لأنه مشتمل على جزء غير محمول فالضمير في قوله فكذلك فإن الحيوان غير محمول عليه راجع إلى الإنسان و إن أخذ الحساس شيئا ذا حس لا بشرط أن لا يكون معه غيره بل مجوز أن يكون له أو معه أو فيه معان أخرى مأخوذة من الصور و المواد كنمو و اغتذاء و مقدار و غير ذلك كان فصلا محمولا على المركب و محمولا عليه المركب كالحيوان و الإنسان و لقوله مجوزا له و فيه أو معه احتمالات ثلاثة أحدها أن يكون المراد أولا من الحساس شيئا ذا حس بأن يكون منسوبا إلى الحس لا الذي جزءه الحس أعني المجموع فإن المشتق كما يطلق على مجموع الصفة و الموصوف كذلك يطلق على الموصوف فإذا جوز شيء آخر كقوة الاغتذاء و النمو كان وجوده له و ثانيها أن يكون المراد منه جسما ذا حس و نمو و اغتذاء كالحيوان فكان مثل معنى النامي و المغتذي موجودا فيه و ثالثها أن يراد منه جوهرا أو جسما له صفة الحس فكان مثل النامي موجودا معه في الحيوان و مع جميع هذه التقادير لا بد في حمله على الحيوان من أن لا يكون تلك المعاني خالية عن معنى الحسي و هاهنا دقيقة و هي أن الصورة التي بإزاء الفصل و يقال لها الفصل الاشتقاقي كالنفس الحيوانية في مثالنا هذا ليست مما لا يحمل عليه الجنس أعني الحيوان لأن الصورة تمام حقيقة المعنى الجنسي و مقوم وجوده و وجود ما بإزائه من المادة فكل ما يوجد في المادة فقد وجد في الصورة على وجه أعلى و أشرف لكن الكلام في نفس معنى الفصل الكلي كمفهوم الحساس فافهم هذا قوله فإذن أي معنى أخذته مما يشكل الحال في جنسيته أو ماديته إلى آخره يعني إذا شككت في أي معنى أخذته من هذه الأمور هل هو جنس لما أخذته منه أو مادة ثم وجدته مما قد يجوز انضمام الفصول إليه أيها كان على أن يكون منه و فيه أي على وجه يكون بعضا منه أو مضمنا فيه لا أن يكون لحقه من خارج كان جنسا لما أخذ منه كالحيوان بالقياس إلى الإنسان فإنك إذا أخذت الحيوان أو نظرت إلى نفس معناه وجدته مرددا فيه مجوز أن يكون ناطقا أو صاهلا أو ناهقا على أن يكون أحد هذه الأمور [الفصول] تمام معناه مضمنا
فيه لا منضما إليه من خارج فكان جنسا للمأخوذ منه و إن أعدت ذلك المعنى أو المعاني الداخلة فيه مجردا أو مع بعض الفصول فقط بأن يكون تمام معناه و خاتم حقيقة حتى لو انضم إليه معنى آخر كان عرضيا له خارجا عن نفسه لم يكن من جملة معانيه لم يكن ذلك المعنى جنسا للمأخوذ منه كبدن الإنسان فإنه جسم نام حساس تم به وجوده و إذا أضيف إليه معنى الناطق كان خارجا عنه فهو مادة و إن أخذته أو أخذت معانيه موجبا تمام المعنى حتى دخل فيه ما يمكن أن يدخل في المأخوذ منه كان نوعا و إذا كنت في الإشارة إلى ذلك المعنى غير متعرض لما يتم به كان جنسا أيضا فإذن ذلك المعنى إذا أخذ بشرط لا شيء آخر كان مادة و إذا أخذ بشرط زيادة شيء آخر كان نوعا و إذا أخذ مطلقا بلا تعرض شرط له آخر غير ذاته إثباتا أو سلبا كان جنسا مبهم المعنى و الوجود جميعا فالمأخوذ على هذا الوجه جاز أن يكون له وجود فيه جميع الزيادات المترادفة و الفصول المتلاحقة على أن يكون