الحاشية على الإلهيات - الملا صدرا - الصفحة ١٢ - الفصل الثاني في تحصيل الفلسفة
أمر أخص فإن كون الموجود فاعلا و غاية و غيرهما من المبادي على الإطلاق لا تحتاج إلى أن يصير نوعا خاصا طبيعيا أو تعليميا أو غيرهما و كل ما يلحق الشيء لا بواسطة أمر أعم و لا بواسطة أمر أخص فهو عرض ذاتي له و البحث عنه مطلوب في العلم الباحث عن أحواله فالبحث عن المبادي بحث عن الأعراض الذاتية للموجود المطلق المطلوبة في العلم الباحث عن أحواله و هو العلم الأعلى قوله ثم المبدأ ليس مبدأ للموجود كله إلى آخره هذا جواب آخر عن ذلك السؤال مبناه على التخصيص و لا حاجة إليه لما ذكرنا من الفرق بين كون الموجود المطلق ذا مباد و بين كون الموجود المطلق من حيث كونه موجودا مطلقا ذا مباد و هذا التخصيص لا يخلو عن تكلف فإن البحث عن مبادي الموجودات الواقع في العلم الكلي إنما يقع على وجه الإطلاق لا على سبيل التقييد بكونها مبادي لبعض الموجودات على أن البحث عن المقيد أيضا بحث عن المطلق لا على وجه الإطلاق بأن يكون الإطلاق معتبرا فيه فإن كون الموجود المطلق موضوعا للعلم لا ينافيه كون المبادي له من عوارضه ذا المبادي في الحقيقة مباد للأفراد و الأفراد كلها من عوارض الطبيعة و كما أن أفراد الوجود كلا أو بعضا من عوارضه فكذلك مبادي الموجودات كلها أو بعض منها من عوارضه لأنها أيضا من أفراده و الذي لا مبدأ له هو طبيعة الوجود من حيث هي هي حتى أنه لو فرض أن لكل موجود مبدأ و قطع النظر عن البرهان الدال على بطلان التعلم إلى غير النهاية لكان البحث عن مبادي الوجود بحثا عن عوارضه و التي يمتنع البحث عنها في العلوم من مبادي الموضوع هي مبادي مهيته من حيث هي هي لا مبادي أفراده و هاهنا لم يقع البحث عن مباد مهيته الوجود المطلق إذ لا مبدأ له و لا مهية له لأنه بسيط قوله و لو كان مبدأ الموجود كله لكان مبدأ لنفسه هذا إذا كان المبدأ واحدا بالعدد و أنت تعلم أن المبحوث عنه في العلم الكلي من المبادي ليس على هذا الوجه فلو فرض قولنا إن لكل وجود مبدأ لم يلزم منه إلا التسلسل لا كون الشيء مبدأ لنفسه و مثل هذا الاشتباه وقع لبعض أفاضل المتأخرين حيث قال و هو بصدد إثبات واجب الوجود من غير الاستعانة ببطلان التسلسل إنه على تقدير انحصار الموجودات في الممكنات لزم الدور إذ تحقق موجود ما يتوقف على إيجاد ما لأن وجود الممكن إنما يتحقق بالإيجاد و تحقق إيجاد ما يتوقف أيضا على تحقق موجود ما لأن الشيء ما لم يوجب لم يوجد و قال أيضا في وجه آخر ليس للموجود المطلق من حيث هو موجود مبدأ و إلا لزم تقدم الشيء على نفسه و بذلك ثبت وجود الواجب بالذات و اعترض عليه بعض معاصريه في الوجه الأول أنه على التقدير المذكور يلزم التسلسل لا الدور و أقول إن الدور الذي يستلزم الفرض المذكور دور غير مستحيل إذ الدور المستحيل هو توقف الشيء بعينه على ما يتوقف هو بعينه على ذلك الشيء لاستلزامه كون شيء واحد بعينه سابقا على نفسه و أما الشيء الواحد بالعموم فذلك الدور فيه و ذلك التقدم له على نفسه غير مستحيل فيه إذ الوحدة المعتبرة في جانب الموضع هي الوحدة الشخصية لا غير و إلا فلا استحالة في صدق المتقابلين على موضوع يكون وحدته وحدة بالمعنى لا بالعدد أو لا ترى أن قولك إن الحيوان يتوقف على المني و المني يتوقف على الحيوان و قولك إن الدجاجة من البيض و البيض من الدجاجة ليسا بدور إلا في اللفظ و كذا قولك إن الحيوان يتوقف على الحيوان لكونه متوقفا على المني المتوقف عليه ليس يوجب توقف حيوان بعينه على نفسه لاختلاف الحيثية و كلا الوجهين غير صحيحين و قوله ليس للموجود المطلق من حيث هو موجود مبدأ إن أراد به أن لا مبدأ له من هذه الحيثية كما هو الظاهر فذلك صحيح و لكنه غير ما يلزم من فرض أن كل موجود له مبدأ و لا من فرض عدم الواجب تعالى عن ذلك و إن أراد أن ليس للموصوف بهذه الحيثية مبدأ فهو غير صحيح إذ للوجود المطلق منقسم إلى ما له علة و إلى ما ليست له علة و المقسم يصدق على كل قسم فالموجود المطلق يصدق على الموجود المعلول و إن لم يصدق عليه و لا ينقسم إليه بقيد الإطلاق أو العموم كما لا يخفى قوله بل الموجود كله لا مبدأ له قد علمت ما فيه فلا حاجة إلى أن نعيده و كان كلام المستدل المذكور مأخوذ
من هاهنا قوله إنما المبدأ الموجود المعلول فالمبدأ هو مبدأ لبعض الموجود قد علمت أنه لا حاجة إلى هذا التقييد و التخصيص في هذا المقام فإن المبدأ لبعض الموجود مبدأ للموجود المطلق و إن لم يكن مبدأ له من حيث كونه موجودا مطلقا و كذا قوله فلا يكون هذا العلم يبحث عن مبادي الموجود مطلقا منظور فيه لأنه يبحث عن مبادي الموجود مطلقا و إن لم يبحث عن مباديه من حيث كونه مطلقا فإن الموجود مطلقا لو امتنع لذاته عن كونه ذا مبدإ لما تحقق موجود معلول إنما الممتنع عن كونه ذا مبدإ هو بعض خصوصيات الوجود لا طبيعة الوجود مطلقا قوله كسائر العلوم الجزئية إلى آخره هذا مثال عنده لأن البحث قد يقع عن مبادي بعض أفراد الموضوع لا عن مبادي المشتركة لجميع أفراده و مثال عندنا لأن البحث قد يقع عن المبادي المشتركة لأفراد الموضوع كلا أو بعضا و للموضوع أيضا مطلقا لكن لا من حيث حقيقته المشتركة بين موضوعات المسائل أ لا ترى أن كتاب الحيوان قد يبحث فيه عن مباد مشتركة لكل فرد ككون كل حيوان يتولد إما عن مثله أو غير مثله و كل حيوان له مبدأ حركة إرادية و ذلك المبدأ جزء من أجزاء الحيوان مطلقا و إن لم يكن جزءا و لا مبدأ مطلقا للحيوان من حيث هو