الحاشية على الإلهيات - الملا صدرا - الصفحة ٢٢٨ - الفصل الثاني في بيان أن كل علة مع معلولها
مقتضية فهي مع معلولها و تحقيق فاعلية الفاعل اعلم أن الذي مر في الفصل السابق من كون المقتضي للحاجة إلى العلة هو الإمكان لا الحدوث و كون الأثر المرتب على الفاعل هو الوجود نفسه لا كونه حادثا يكفي في إثبات هذا المطلوب لكن الغرض إزالة ما اشتبه على الجمهور في ذلك و اختلط عندهم غير الفاعل بالفاعل قوله و الذي يظن من أن الابن يبقى بعد الأب و البناء بعد البناء و السخونة يبقى بعد النار قد علمت أن كل علة مقتضية فهي مع معلولها لكن كثيرا ما يقع الاشتباه من إهمال الحيثيات و عدم الفرق بين ما بالعرض و بالذات فما قيل أو لوحظ كون الفاعل متقدما على المعلول فذلك ليس من حيث كونه فاعلا و لا الفاعل بما هو فاعل مما يجوز أن ينفك عنه فعله بل ذاته باعتبار آخر و حيثية أخرى غير الحيثية التي بها فاعل قد يكون قبله و مثل ذلك الفاعل لا يكون فاعلا بنفس ذاته بل بانضمام أمر آخر و الفاعل الذي يكون فاعليته نفس ذاته و الذي يكون فاعلا محضا من كل جهة فلا ينفك فعله أصلا عنه من أي اعتبار أخذ فالفاعل الذي كون فاعليته زائدة عليه قد تكون فاعلا بالذات و قد تكون فاعلا بالعرض و الأول مثل الطبيب للعلاج و الثاني إما لأنه مصحوب بالفاعل بالذات كما يقال الكاتب يعالج فإن المعالج بالذات هو من حيث إنه طبيب لا من حيث إنه كاتب و إما لأنه معلوله بالذات أمر آخر يلزمه ما نسب إليه بالعرض كما يقال لسقمونيا إنه مبرد للزوم التبريد فعله بالذات من استفراغ الصفراء المستتبع لنقصان الحرارة و من هذا القبيل كون الطبيب فاعلا للصحة و كون مزيل الدعامة علة لسقوط السقف فإن معطي الصحة مبدأ رفع من الطبيب و مبدأ الانحدار الثقل الطبيعي للسقف فإذا تقرر هذا فاعلم أن من هذا القبيل نسبة الفاعلية إلى الأب في توليد الابن و إلى البناء في عمل البناء و إلى الزارع في تحصيل الزرع و إلى النار في سخونة الحطب و غيره فليس الأب علة للابن و لا النار سبب النار كما وقعت الإشارة إليه في الكتاب الإلهي بقوله تعالى أَ فَرَأَيْتُمْ ما تُمْنُونَ أَ أَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخالِقُونَ و لقوله أَ فَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ أَ أَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ و قوله أَ فَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ أَ أَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِؤُنَ فالله سبحانه أشار إلى وجه الخبط و الاشتباه في نسبة الفعل إلى غير الفاعل الحقيقي الذي يبقى بعده الفعل كالأب و الزارع و الموري للنار أي محصلها من الزند بضرب المقدحة عليه بأن ما هو فعل هؤلاء الفاعلين ليس بالذات إلا ما هو من باب الحركات و نحوها فنسب إليهم فعل الإمناء و الحرث و الإبراء لكل واحد منها نحو من الحركة لا غير و الحركة لا تنفك عن التحرك فما هو فعل الفاعل بالذات لا ينفك عنه و ما ينفك عنه كالولد و الزرع و السخونة ليس فعله بالذات بل له فاعل آخر لا ينفك عنه فعله و كذا الأمثلة التي ذكرها الشيخ من البناء و الأب و النار ليست عللا بالحقيقة لا لقوام ما نسب إليها من الثواني المذكورة و لا لوجوده أما البناء فحركات يده علة لحركات البناء و أجزاء البيت مثلا و انتهاء حركاته علة لانتهاء هذه الحركات و انتهاء تلك الحركات علة لاجتماع المتحركات من اللبنات و غيرها على هيئة مخصوصة و أما حفظ تلك الهيئة و إمساكها عن التفرق فبقوة ممسكة أفادها الله تعالى الذي يمسك السماوات و الأرض أن تزولا بقوته و قدرته و هكذا قياس الأب في توليده كما أوضحه الشيخ و كذلك فعل النار إذا حصلت منها نار أخرى فإنها علة بالذات لتسخين ما يجاوره كالماء بالإعداد فإذا تكرر الإعداد و الاستعداد اشتدت سخونة عنصر الماء فصارت الصورة المائية المقسورة بالنار فاعلة للسخونة الشديدة كالطبيعة المصعدة للحجر إلى فوق بإعداد القاسر الرامي فإذا بلغت شدة التسخين إلى حد ما لا يناسب الماء بطل استعداد مادته لقبول الصورة المائية أو انخفاظها بالفعل فانقلبت نارا بإفاضة المبدإ الفعال الصورة النارية عليها فليست النار الأولى علة للنار الثانية بل المبدأ الذي يكسو العناصر صورها بإذن الله و تقديره فكل فاعل بالذات مع فعله و كل علة مع معلولها إلا أن بعض الأفاعيل و المعاليل مما يسبقه مقدمات هي إما علل بالعرض أو معينات أو مفتقرة هي إلى معينات فالتي هي علة بالذات يحسب أن يعتقد أنها باقية مع معلولها فالعلة بالذات في بقاء هيكل البناء و شكله هو الاجتماع مع اليبوسة و علتهما طبيعة المجتمعات المثبتة
لها على التأليف و علة تلك الطبيعة المبدأ المفارق العقلي الفاعل للطبائع العنصرية البسيطة و المركبة على حسب استعداد موادها القابلية و أما العلة بالذات القريبة لحصول الولد هي اقتران صورته بمادته و هما السببان الصوري و المادي و السبب الفاعلي لهما هو ذلك المبدأ المفارق و أما علة حدوث النار فهي أيضا المفارق الواهب للصورة مع حصول استعداد المادة لها بزوال الاستعداد لضدها فإذن كل علة بالذات مع معلولها و بالعكس و مما يؤيد هذا المطلب ما قاله المعلم الأول للفلاسفة في أثولوجيا قوله و إذا قضينا فيما يتصل به كلامنا بأن العلل متناهية فإنما يشير إلى هذه العلة يعني لما ظهر لك أن العلل قد يكون بالذات و قد يكون بالعرض فليس لأحد أن يقول إن القوم ذكروا في بيان ارتباط الحادث بالقديم أن لا بد هناك من علل متعاقبة غير مجتمعة و لا متناهية