الحاشية على الإلهيات - الملا صدرا - الصفحة ٢٠٩ - الفصل السابع في بيان مناسبة الحد و المحدود
إذ بدونها يتم التشكيك و لهذا لم نذكرها عند تقريرنا للشبهة إذ يكفي أن يقال إن الفصل إما أن يكون أعم المحمولات أو لا يكون بل يكون تحته و الأول باطل بداهة لأن الناطق مثلا و ما يجري مجراه من الفصول و غيرها ليست أعم المحمولات ضرورة مباينة كثير منها بعضها لبعض فتعين الشق الثاني و هو أن يكون تحت معنى عام مشترك بينه و بين غيره مما يدخل تحته فيحتاج الفصل إلى فصل آخر فيتسلسل فالجواب الجواب فمدار الشبهة على المقدمة القائلة الأخيرة و مدار الجواب على الفرق بين كون الاشتراك في ذاتي حتى يلزم أن يكون المميز فصلا ذاتيا أو في عرضي فلا يلزم ذلك على التفصيل الذي قد مر قوله و يجب أن يعلم أن الذي يقال إن فصول الجوهر إلى آخره قد علمت تحقيق هذا المقام بما لا مزيد عليه و دفع الإشكال الذي أورده الإمام الرازي و قوله إلا أن يعنى بفصول الجوهر مثلا لا الفصل المقول عليه بالتواطؤ إلى آخره أراد بالفصل المقول بالاشتقاق مثل النفس الحيواني للحساس و النفس الناطقة للناطق و سائر الصور النوعية لفصول الأنواع الطبيعية للجسم و الشيخ في بعض كتبه يعبر عن الفصل المحمول بالتواطؤ بالفصل المنطقي و هو غير الفصل المبحوث عنه في كتب المنطقيين لأنه من المعقولات الثانية بخلاف مثل الناطق و الحساس من أوائل المعقولات قوله ليس يجب إذا كان الفصل الذي بالتواطؤ موجودا إلى آخره يريد أنه لا يلزم أن يكون فصول الأنواع بإزاء صور نوعية خارجية بل إنما يلزم ذلك في فصول الأنواع الجوهرية لا الأعراض و لا كل نوع جوهري بل الأنواع الجوهرية المركبة حيث إن جنس كل منهما مأخوذ من مادة و فصله من صورة و أما النوع البسيط من الجوهر كالعقل و النفس أو نحوهما فلا جنسه مطابق لمادة و لا فصله مطابق لصورة و الصورة هو الفصل الذي بالاشتقاق و باقي ألفاظ الكتاب واضحة
[الفصل السابع: في بيان مناسبة الحد و المحدود]
قوله فصل في تعريف مناسبة الحد و المحدود إلى آخره لما كان الحد هو القول الدال على ماهية الشيء لذاته فلا بد أن يكون بأمور لها وجه من المغايرة و إلا لم يكن أحدهما أولى بأن يكون دالا و الآخر بأن يكون مدلولا و وجه من الاتحاد و إلا لم يكن دالا عليه بالذات فالفرق بينهما إنما هو بالإجمال و التفصيل فالمجمل هو المحدود و النوع و الفصل هو الحد المركب من الجنس و الفصل إذ البسائط الحقيقية لا حدود لها إذ لا أجزاء لها بوجه و إنما يعرف باللوازم و الآثار و إنما وجب أن يكون حد الحقيقي مركبا من جنس و فصل لأن ذا الأجزاء إن لم يكن لها وحدة حقيقية كان كالحجر الموضوع بجنب الإنسان و يكون وجوده بالعرض لا بالذات لأن وحدته بمجرد الاعتبار و الأمور التي وجودها بالعرض غير محدودة و كل ما له وحدة حقيقية فلا بد أن يكون بحسب التقسيم تحت إحدى المقولات فيكون ذا جنس فكل ما له جنس لا بد أن يكون له فصل لما عرفت أن الجنس طبيعة ناقصة تمامها بالفصل و لما كان الحدود دالا على ماهية الشيء فكان لا محالة بجنسه و فصله قوله لقائل أن يقول إن الحد كما وقع عليه الاتفاق من أهل الصناعة مؤلف أكثر الناس قد وقعت لهم الحيرة في كون الشيء جزءا محمولا لأن الجزئية يقتضي المغايرة و الحمل يستدعي الاتحاد فكيف يكون شيء واحد مغايرا لشيء و متحدا به و ذلك لإهمالهم اعتبار الجهات و الحيثيات فمن ذلك نشأت هذه الشبهة و نظايرها فيقال إن الحد كما بينا و وقع الاتفاق عليه من أهل الحكمة مركب فيما له وحدة طبيعية من جنس و فصل و هما جزءان للحد ثم إن الحد عين المحدود فيكون المحدود أيضا ذا الجزءين أعني المدلول عليها بالجنس و الفصل فإن نسبتهما إلى النوع هو نسبتهما إلى الحد لأنه عين المحدود فإذا كان كذلك فلم يجز حمل طبيعة الجنس و لا طبيعة الفصل على النوع و المفروض خلافه هذا خلف و الجواب بعد ما علمت الفرق بين الجنس و المادة و الفصل و الصورة و أن النوع مركب من المادة و الصورة لا من الجنس و الفصل لأن كلا من هذين أمر مبهم غير محصل يمكن أن يدخل فيه الآخر و أن لا يدخل فإذا قلنا عند تحديد الإنسان مثلا أنه الحيوان الناطق فلسنا نعني أنه مؤلف من هذين المعنيين مجتمع عنهما بل يعنى به الحيوان الذي هو بعينه ناطق لا أنه حيوان و مع كونه حيوانا هو شيء آخر أيضا و هو الناطق حتى يكونا شيئين مغايرين و ذلك لأن الحيوان بالمعنى الذي هو جنس ليس أمرا محصلا في نفسه حتى ينضم إليه شيء آخر هو الناطق كما مر تحقيقه فمعنى الحيوان هو الجسم النامي ذو الإدراك مجملا و لا يعلم أن هذا الدراك أعني ذا النفس إدراكه بحس أو خيال أو وهم أو نطق فإذا قلنا ناطق علم نفسه حساسة ناطقة فصار المبهم محصلا فيكون هذا تعينا لمبهم و تحصيلا لمجمل هي النفس الدراكة فليس كون الجسم دراكا و كونه ناطقا شيئين مغايرين في الوجود ككونه ناطقا و متعجبا بل وجوده دراكا هو بعينه وجوده ناطقا لا بطريق انضمام أمر بأمر فإن كون الشيء حيوانا أي كونه جسما ذا نفس دراكة أمر مبهم الوجود و الأمر المبهم الوجود