الحاشية على الإلهيات - الملا صدرا - الصفحة ٢١٠ - الفصل السابع في بيان مناسبة الحد و المحدود
لا يوجد ما لم يتحصل بالفعل و ما يوجد بالفعل لا يكون مبهما فالنفس الداركة لا يوجد بالفعل بكونها دراكة ما لم يتعين و لم يفصل نحو إدراكها عن مطلق الإدراك فإذا قيل إنها دراكة بالحس و التخيل و النطق مميز عن كونها دراكة بالحس فقط كبعض أنواع الحيوان أو بالحس و الخيال جميعا و لكن بدون النطق كبعض آخر بل الحساس فقط أيضا أمر مبهم فمن الحيوان ما له قوة اللمس فقط و منه ما له اللمس و الذوق و الثلاثة بدون السمع و البصر كما أنه من الحيوان ما يوجد بدون الحس الباطن كلا أو بعضا و بالجملة إذا وجد الجنس كالحيوان فوجوده متضمن لوجود أحد الفصول لا أنه ينضم إليه وجود ذلك الفصل من خارج إذ لا وجود للمبهم في الخارج و لكن جاز حصول المبهم على إبهامه في الذهن فإن الذهن ربما يكون مترددا مشككا في تمام حقيقة شيء كنفس من النفوس أنها هل هي حساسة فقط أو متخيلة أو ناطقة ثم يحصلها بالفكرة و الاكتساب فصلها الخاص فيعرفها و يحدها بجنسها و فصلها فانضمام فصل إلى جنس إنما هو بحسب المعنى و في الذهن على نحو حصول تعيين بعد إبهام و جزم بعد شك فظهر و تبين أن الحد مركب من جنس و فصل بخلاف المحدود الذى هو النوع و إن كان الحد عين المحدود في الوجود قوله و إذا أخذ الحس في حد الحيوان فليس هو بالحقيقة الفصل بل هو دليل على الفصل فإن فصل الحيوان أنه ذو نفس إلى آخره يريد بيان أن أكثر ما يذكر في التعريفات الحدية بإزاء الفصل فليس هو بفصل حقيقي سواء كان الذي هو فصل حقيقي فصلا محمولا بالتواطؤ أو فصلا محمولا بالاشتقاق بل إنما هو علامة الفصل و دليله لأن فصل كل مقولة يجب أن يكون من تلك المقولة على الوجه الذي سبق فصل الجوهر جوهر و فصل الكم كم و فصل الكيف كيف مع أن الموجودات المأخوذات في فصول الأشياء من مقولة غير مقولة جنسها كما يذكر في فصل الحيوان الحساس و هو جوهر و الحس انفعال أو إضافة و يذكر في فصل الإنسان الناطق و حالهما كما مر و كذا يذكر في حد الخط المستقيم أو السطح المستوي كون أجزائه على وضع لا يكون بعضها أرفع و بعضها أخفض و في الخط المستدير و السطح بخلاف ذلك و الخط و السطح من مقولة الكم و ما يذكر في فصلهما من مقولة الوضع و يقال أيضا في حد السواد و هو من مقولة الكيف أنه قابض للبصر و في البياض أنه مفرق للبصر و القبض و التفريق من مقولة الفعل فالحق أن هذه الأمور المذكورة في الفصول هي ليست بفصول حقيقية و إنما هي لوازم و أمارات جعلت عنوانات لها دالة عليها فصل الحيوان بالحقيقة ليس ذا الحس بل إنما هو ذو النفس الدراكة المتحركة بالإرادة أو ذو قوة النمو و الحس و الحركة فليست هوية نفسه أن يحس بالفعل و لا التخيل بالفعل و لا الحركة الإرادية بل القوة النفسانية هي مبدأ هذه الأفاعيل و الانفعالات بل مبدأ مبادي هذه الآثار صادرة عن قواها كقوة الحس و قوة التخيل و قوة الحركة الإرادية بل الحق أن النفس كما أنها مبدأ لهذه الآثار المختصة بها كذلك هي مبدأ لجميع الآثار المنسوبة إليها مختصة كانت أو مشتركة كالنباتية و الجمادية من التغذية و التنمية و التوليد و الحفظ و غيرها إلا أن بعضها بلا واسطة و بعضها بواسطة فالتي هي مختصة بالنفس ليس بعضها بأن ينسب إليها دون البعض لكن كلها أو بعضها شيء ليس له في نفسه اسم لأنه هوية خارجية وجودية و الأسامي و الحدود التي تعرف بها الأمور إنما هي للنعوت و الصفات الكلية و حيث كانت هذه الأمور توابع مخصوصة له فيضطر العقل إلى أن يخترع له اسما مأخوذا من نسبة ذلك الشيء إليها و لهذا يجمع الحس و الحركة الإرادية معا في حده و يجعل الحس كأنه معنى يجمع الحواس كلها ظاهرها و باطنها أو يقتصر على الحس أما بناء على أن أقل درجات الحيوان أن يكون له حس واحد فكل حيوان له حس سواء كان مقتصرا على الواحد كالخراطين و الحلذونات أو أزيد و أما على أن الحس مطلقا يدل على جميع الحواس بالالتزام لا بالتضمن لأن الخاص ليس بجزء للعام ليدل اسم العام عليه بالتضمن فإن دل عليه يكون دلالة بالالتزام لا محالة و قد سلف بيان أقسام الدلالات في المنطق فإذن قد ظهر و تبين أن الحس ليس بالحقيقة فصلا للحيوان بل أحد لوازم فصله واحد شعب فصله و
قواه و إنما فصله بالحقيقة وجود النفس التي هي مبدأ هذه اللوازم و الشعب كلها و كذلك الناطق الإنسان ليس فصلا حقيقيا له بل الفصل بالحقيقة هو وجود النفس التي هي مبدأ هذه الإدراكات الكلية و الحركات الفكرية و غير ذلك من أفاعيل الحيوانية و النباتية و ما دونها حتى إقامة الهيولى بصورة الاتصال و إفادة المقدار لها لكن عدم الاسم الدال على الهوية الوجودية للنفوس و قلة شعورنا بالفصول يضطرنا أما هذا أي عدم الشعور و أما ذاك أي فقدان الاسم إلى أن ننحرف في إقامة الحدود عن حقائق الفصول التي لوازمها و آثارها الدالة عليها فربما يشتق اسم الفصل الحقيقي من لازمه كالحساس فإنما نعني بالحساس لا الذي يحس بالفعل بل المبدأ الذي من شأنه الإحساس و غيره من الآثار هذا إذا كانت المعرفة به تامة و لكن لم نجد اسما