الحاشية على الإلهيات - الملا صدرا - الصفحة ٥ - الفصل الاول في موضوع الفلسفة
عقلا بالفعل و أن يصير النوع الحيواني من جملة الملائكة المقربين و أن يصير النفس الآدمية عالما معقولا مضاهيا للعالم المحسوس قوله و هي أنه الحكمة المطلقة هذا العلم علم حر مطلق عن الافتقار إلى غيره و التعلق بما سواه و سائر العلوم بمنزلة العبيد و الخدام لهذا العلم لأن موضوعاتها إنما يثبت في هذا العلم فهو المعطي لثبوت موضوعاتها في العقل و مقدمات براهينها إنما يبرهن عليها في هذا العلم أو يبرهن ما يتوقف هي عليها فيه فكما أن موضوعات هذا العلم مبادي لموضوعات سائر العلوم فكذلك مسائل هذا العلم مبادي لمسائل سائر العلوم فجميع العلماء من حيث هم العلماء بمنزلة العيال و الخدام للعالم الإلهي لأنهم المحتاجون إليه في أخذ مبادي علومهم و أرزاقهم المعنوية منه قوله لأن العلوم إما خلقية أو سياسية هذان العلمان من الحكمة العلمية الباحثة عن الموجودات التي وجودها باختيارنا و فعلنا و هي ثلاثة لأنها إما أن يتعلق بتعليم الآراء التي ينتظم باستعمالها المشاركة الإنسانية العلمية و يعرف بتدبير المدنية و يسمى علم السياسة و إما أن يتعلق بما ينتظم به المشاركة الإنسانية الخاصة و يسمى بتدبير المنزل و إما أن يتعلق بما ينتظم به حال الشخص الواحد في تزكية نفسه و تصفية ذهنه ليستعد بذلك لقبول العلوم النظرية التي بها يحصل السعادة العظمى و السيادة الكبرى و خلافة الله في الأرض و السماء و الآخرة و الأولى و يسمى علم الأخلاق و الشيخ أدرج القسمين الأولين تحت قسم واحد لاشتراكهما في معنى السيادة سواء كانت مدنية عامية أو منزلية خاصية و لأنهما مشتركان في أن المنظور إليه فيهما هو المعاملة مع الغير و إصلاح الخارجيات بخلاف تهذيب الأخلاق فإن المنظور فيه المعاملة مع النفس و إصلاح الداخليات من القوى الشهوية و الغضبية و الوهمية قوله و إما منطقية و ليس في العلوم الحكمية علم خارج عن هذه فظهر من هذا الكلام أن علم الميزان عند الشيخ من جملة أقسام الحكمة فتكون داخلة في الحكمة النظرية إذ من الظاهر أنه ليس من أقسام الحكمة العملية بناء على التعريف و التقسيم المذكورين و إن كان متعلقا بكيفية عمل و غايته أيضا ليست نفس الرأي و العلم بل الإصابة في الفكر و العصمة من الخطاء و قد علمت أنه لا منافاة بين كون العلم نظريا و بين كونه متعلقا بكيفية عمل كما لا ملازمة أيضا بين كونه متعلقا بكيفية عمل و كونه علميا فالمنطق يشارك سائر العلوم النظرية في الموضع المشترك و يخالفها في الغاية و يوافق العلوم العملية في الغاية المشتركة و هي نفس العمل سواء كان ذهنيا أو خارجيا و يخالفها في الموضوع لأن موضوعاتها الأعمال و الأفعال التي بقدرتنا و اختيارنا من حيث هي كذلك و موضوعات المنطق المعقولات الثانية التي ليست بقدرتنا و اختيارنا و من رام إدخاله في العمليات فعلية أن يغير منشأ تقسيم العلم إلى العلمي و العملي و تعريف القسمين بأن يجعلهما باعتبار الغاية لا باعتبار الموضوع فيقول الحكمة النظرية ما غايتها حصول علم و رأي و الحكمة العملية ما غايتها حصول عمل أو كيفية عمل لكن الأحسن و الأولى أن يكون تمايز العلوم باعتبار تمايز الموضوعات لأن الموضوعات أجزاء للعلوم و الغايات خارجة عنها و لا شك أن التعريف و التقسيم باعتبار الجزء أولى منها باعتبار الخارج قوله و لا في شيء منها بحث عن إثبات الإله تعالى جده فيه نظر لأن الطبيعيين يبحثون عن إثبات الإله جل ذكره من طريق الحركة و أنه لا بد أن ينتهي المتحركات و المحركات إلى محرك غير متحرك غير متناهي القوة دفعا للدور و التسلسل و الجواب أن المراد أن إثبات الإله بحسب وجوده في نفسه ليس مطلوبا في غير هذا العلم و إنما يبحث الطبيعي عن إثبات مبدإ للحركة غير متناهي قوة التأثير ليس بجسم و لا جسماني لأنه يبحث عن أحوال الجسم بما هو متحرك و عن مبدإ حركة الغير المتناهية فليس مطلوبه إثبات وجوده تعالى في نفسه بل وجوده للحركة و المتحرك من حيث هو متحرك فأين هذا المطلب من ذاك و إن لزمه بالعرض من جهة أن وجود الشيء لغيره يستلزم وجوده في نفسه و هذا في الاعتذار أولى من الذي سيذكره الشيخ و الحاصل أن وجود الواجب في نفسه ليس مطلوبا في شيء من العلوم إلا هذا العلم قوله و لا يجوز أن يكون ذلك إلى آخره قوله ذلك خبر يكون و اسمه محذوف أي لا يجوز أن يكون المطلوب أو المبحوث عنه في سائر العلوم هو إثبات الإله و الغرض أنه كما لم يقع ذلك لا يجوز أيضا أن يقع لما أشار إليه بقوله
و أنت تعرف هذا بأدنى تأمّل لأصول كررت عليك و هي أن المطلوب إثبات العرض الذاتي لموضوعه و أن العرض الذاتي ما يلحق الشيء لذاته أو لأمر يساويه و أن موضوع المسألة إما نفس موضوع العلم أو نوع منه أو عرض ذاتي له أو لنوع منه على وجه حقق في مقامه و أن مقوم موضوع العلم بحسب مهيته أو وجوده لا يجوز أن يكون مطلوبا في ذلك العلم و أن ما هو المبدأ لجميع الموجودات لا يصح أن يكون النظر فيه بعلم جزئي و لا أيضا يصح أن يكون بنفسه موضوعا لعلم جزئي لأنه يقتضي نسبته إلى كل موجود فمن تأمّل في هذه الأصول عرف أن إثبات الإله تعالى ليس مطلوبا إلا في هذا العلم قوله إذ قد تبين لك من حال هذا العلم أنه يبحث عن المفارقات فيه إشارة إلى أن إثبات المبدإ الأعلى لا يجوز أن يكون من مطالب العلم الكلي لأنه ليس أمرا عاما فيجب أن يكون العلم به جزءا من هذا العلم الأعلى فكما أن علم النفس من حيث إنها مبدأ حركة جزء من العلم الطبيعي و أما النظر فيما يخصها من حيث هي مفارقة الذات فإنه يتعلق بالعلم الناظر في أحوال