الحاشية على الإلهيات - الملا صدرا - الصفحة ٢٣٣ - في بيان معنى التكوين
في مرتبة ذاته بموجود صادقة البتة و نقيضها التي هي مفاد قولنا هو موجود فيها كاذبة البتة فلم يلزم ارتفاع النقيضين لا في المفردات و لا في القضايا و هاهنا نكتة يجب التنبيه عليها و هي أنه قد تقرر أن تحقق الطبيعة إنما هو بتحقق فرد ما و سلبها بسلب جميع الأفراد فوجود الشيء في مرتبة من الواقع يوجب وجوده في الواقع و لكن سلبه عنها لا يوجب سلبه مطلقا فسلب الوجود عن الإنسانية مثلا في تلك المرتبة السابقة لا ينافي تحققه في نفس الأمر مطلقا لأن نفس الأمر أعم و أوسع من تلك المرتبة فثبت أن للمعلول في مرتبة نفسه أن يكون ليس أي صدق عليها في تلك المرتبة أن يكون ليس قانط كيف حقق الشيخ ما ادعيناه و راعى المقام بأن عبر عن صدق السلب المذكور الواقع في المرتبة بلفظ القضية لا بلفظ المفرد فلم يقل للمعلول في نفسه العدم و اللاكون و له عن علته الوجود أو الكون بل قال له في نفسه أن يكون ليس و له عن علته أن يكون أيس أي صدق عليه ليس بموجود في تلك المرتبة و صدق عليه أنه موجود في الواقع من العلة و كلا القولين صدق لاختلاف الحيثية قوله فإن أطلق اسم الحدوث على كل ما له أيس بعد ليس و إن لم يكن بعدية بالزمان كان كل معلول مجديا إلى قوله و من الناس معناه واضح مكشوف غني عن الشرح
[في بيان معنى التكوين]
قوله و من الناس من لا يجعل كل ما إلى آخره يعني أن الناس سواء ذهبوا إلى أن كل ما له أيس بعد ليس مطلق به فهو يسمى بالحادث أو خصوا اسم الحادث بما له وجود بعد عدم خارجي غير مجامع الوجود في أن افترقوا فرقتين ففرقة لم تجعل أحد قسمي الحادث بالمعنى الأعم هو الذي لم يسبقه عدم خارجي حريا باسم المبدع بل خصه بما لا واسطة بينه و بين العلة الأولى زعما منه أن كل ما يوجد عن العلة الأولى بواسطة علة متوسطة فاعلية و إن لم يكن صدورها عن مادة و لا للعدم السابق سلطنة عليه فليس تأييسه عن ليس مطلق بل عن أيس لصدوره عن العلة الأولى بتوسط وجود آخر انجر إليه و إن يكن مادة و لعل هؤلاء القوم زعموا أن توسيط الفاعل المتوسط للمعلول مما يخرجه عن كونه بعد عدم مطلق و ليس الأمر كذلك بل كلما بعد المعلول عن العلة الأولى تضاعفت فيه جهات العدم و الإمكان و الحاجة و هكذا حتى ينتهي إلى معلول يحتاج في وجوده إلى مادة حاملة لإمكانه و عدمه السابق عليه نعم لو اختص اسم الإبداع بما ليس لوجوده إلا علة واحدة واجبة و لا سلب له إلا سلب الوجود لكان له وجه في التسمية إذ لا وجه لما ذكره هؤلاء و مما يؤيد ذلك قول الشيخ في الإشارات الأول مبدع جوهرا هو بالحقيقة مبدع فخص لإبداع الحقيقي بأول الجواهر العقلية و لا شك أن إبداعه أفضل ضروب الإبداع لعدم توقفه إلا على ذات المبدع الحقيقي لا غير و فرقة أخرى عممم اسم الإبداع لغير المبدع الأول أيضا و لكن خصصه لكل ما له وجود صوري كيف كان أول المبدعات أو الثواني و المراد من الوجود الصوري هو الوجود الذي هو بذاته معقول ذاته لا بصورة أخرى مأخوذة منه و هذا شأن الجواهر المفارقة عن المواد و أما غيرها و إن كان غير متوقف على سبق مادة و استعداد كالفلكيات فيختص نسبته إلى الفاعل باسم التكون و اعلم أن هذا مطابق لما ذهبنا إليه موافقا لرأي الحكماء الأقدمين من أن الماديات بأسرها كائنة فاسدة لأن الطبائع الجسمانية تدريجية الوجود لكن الكون و الفساد في الفلكيات على ضرب آخر غير ما في غيرها لأنهما فيها على نهج واحد مستمر غير منقطع إذ كونها في كل جزء من الزمان عين فسادها فيه من جهة و فسادها في كل جزء منه عين كونها فيه من جهة و بالجملة ليس للزمان جزء إلا و لها فيه وجود بوجه و عدم بوجه بخلاف العنصريات فإن وجودها قد يختص بزمان و عدمها بزمان آخر و قوله و نحن لا نناقش في هذه الأسماء بعد أن يجعل المعاني متميزة فنجد بعضها إلى آخره معناه واضح و الشيخ جعل الإيجاد على قسمين الإبداع و التكوين و صير الأفلاك و ما فيها داخلة تحت الإبداع و خص التكوين بالعنصريات و منهم من ثلث التقسيم فالإبداع للمفارقات و الاختراع للفلكيات و التكوين للعنصريات و لا شك أن أفضل ما يسمى مبدعا هو المعلول الأول قوله و نرجع إلى ما كنا فيه فنقول أما الفاعل الذي يعرض له أن يكون فاعلا فلا بد من مادة يفعل إلى آخره كل فاعل يعرض له الفاعلية سواء كان العروض بتغير في ذاته أو بتغير في قابل فعله فلا بد له في الفاعلية من مادة لأن ذلك الفعل حادث و كل حادث مفتقر إلى مادة سابقة و استعداد سابق كما علمت و ذلك الفاعل و بما كان فعله دفعيا كالاتصالات و المماساة و الأكوان الدفعية كالأشكال و غيرها و ربما كان تدريجيا فيكون فاعلا للحركة و قد مر أن الفاعل عند الطبيعيين هو مبدأ الحركة لكن المراد منها مطلق التغير سواء كان دفعيا أو تدريجيا