الحاشية على الإلهيات - الملا صدرا - الصفحة ١٧٥ - في تفسير التام والناقص و فوق التمام
خروج الممكن منها دفعة دون الأبدان و لا مع الأبدان لتناهيها عددا و مقدارا فبحسب الاستعدادات يحصل من واهبها قرنا بعد قرن راجعة إلى ربها إما سعيدة منعمة إذا كملت أو شقية معذبة إن نكست رءوسها
[الفصل الثالث: في بيان التام و الناقص]
[في تفسير التام والناقص و فوق التمام]
قوله في التام و الناقص الموجود إما تام و إما ناقص و التام إما فوق التمام أو لا و الناقص إما مستكف أو لا و التام في كل شيء هو الذي حصل له جميع ما يليق به أن يكون حاصلا له و الناقص ما ليس كذلك بل يحتاج إلى شيء يتمه و يكمله ثم التام إن كان مع ذلك من جنس كماله ما فضل عنه إلى غير فهو فوق التمام و إلا فهو تام فقط و الناقص إن لم يفتقر في تمامه و كماله إلى سبب منفصل عن ذاته و عن مقوماته و أسبابه الذاتية فهو المستكفي و إن احتاج فيه إلى سبب مباين خارجي فهو الناقص الغير المستكفي و التام يناسب ما بالفعل و الناقص ما بالقوة و لهذا ذكر هذا الفصل المشتمل على التام و الناقص بعد الفصل المشتمل على القوة و الفعل و هذه المعاني مما يتصور كله أو بعضه في أكثر الأنواع بحسب حيثياتها و صفاتها من الكميات و الكيفيات و غيرها بوجه من الوجوه إلا أن الحكماء استعملوا هذه الأقسام الأربعة في طبيعة الوجود و الموجود بما هو موجود قالوا التام هو الذي حصل له القسط من الوجود الذي يليق به و فوق التمام هو الذي وجوده أفضل ضروب الوجود و مع ذلك يفضل عنه الوجود الفائض على سائر الأشياء و الناقص المطلق الذي هو ليس له كمال الوجود الذي ينبغي له بل يحتاج إلى مكمل يخرجه من القوة إلى الفعل و أما المكتفي فهو الناقص الذي يحصل له الكمالات شيئا فشيئا و كمالا بعد كمال إلى لا نهاية من علل وجوده و مقومات ذاته و لا يلزم أن يكون هذا الاستعمال بطريق النقل من معنى آخر سابق بل بطريق إطلاق الأعم على بعض أفراده بأن يكون الكمية و العدد أو الزيادة المفهومة من لفظ التام و المعتبرة في حده و كذا القصور و القلة و النقصان المفهوم من لفظ الناقص ما هو أعم مما هو بالذات أو بالعرض أو بالحقيقة أو بالاعتبار و هذا أولى من أن يكون لهذا اللفظ معان مختلفة بعضها قبل و بعضها بعد و يقع فيه انتقالات من بعضها إلى بعض كما ذكره الشيخ من أن التام كان مستعملا أولا في ذوات العدد و الأعداد فيقال هذا تام الأعضاء ثم في الكم المتصل و المتصلات فيقال هذا تام القامة باعتبار ما يعرضه من العدد و الأشبار و الأذرع ثم في القوى و الكيفيات فيقال هذا تام القوة و هذا تام البياض ثم في أصل الوجود بما هو وجود مطلق فيقال هذا تام الوجود باعتبار أن قد حصل له جميع ما ينبغي له من الوجود أو جميع ما ينبغي لموجود على الإطلاق كأن للوجود أنحاء و آحادا متعددة وهما أو فرضا أو مجازا و الكل حاصل له ابتداء فهذا صفة الواجب و الذي قبله صفة المفارقات العقلية و الناقص بإزاء كل من هذه الأفراد و الحكماء إذا استعملوا التام أو الناقص أرادوا به المعنى الأخير لأن موضوع أحكامهم و علومهم هو طبيعة الوجود بما هو وجود لا أن فيه نقلا من معنى مخالف لهذا المعنى إلى هذا المعنى فالمعنى واحد و التفاوت إنما وقع بتفاوت الأقسام في الموضوعات و الموضوعات لا غير أ لا ترى أن لفظ الكمال يستعمل بمعنى واحد في كل ما يتم به الشيء مع أنه يختلف أفراده غاية الاختلاف فكمال الجوهر جوهر و كمال العرض عرض و كمال الأسود سواد و كمال الحرارة حرارة و كمال الأعمى عمى و كمال الحيوان نفس دراكة و كمال السفينة ربان و كمال المدينة العادلة سلطان عادل و هكذا و إطلاق الكمال على هذه الأمور الغير المحصورة ليس بطريق النقل و التشبيه بل على الحقيقة الأصلية إلا أنه قد يكون معنى مجازي لشيء جزء لمعنى حقيقي لشيء آخر فالمقدار و العدد المعتبر في معنى الكمال ليس مأخوذا فيه على وجه الحقيقة بل على الوجه الشامل للموجود و الموهوم و المشبه وهما غير صادق أو لا تشبيها قريبا أو لا و ذلك كما يوصف القوى بالزيادة و النقصان و التناهي و اللاتناهي باعتبار متعلقاتها من الآثار و الأفعال فيقال الواجب تعالى غير متناهي القوة و القدرة مع كونه في غاية التنزه عن الكمية و الكثرة و بالجملة حمل اللفظ على المعنى الأصلي الحقيقي أولى و أرجاع المعاني المختلفة إلى معنى جامع أليق بالحكمة و أحرى ثم الخوض و الإمعان في بيان المعاني اللغوية و العرفية ليس من دأب الحكيم و عادته لأن مبناها على الظنون و التخمينات و من هذا القبيل ما ذكره الشيخ من أنه لما كان التمام يلزمه التناهي إلى
غاية و نهاية فيكون للشيء التام أول و وسط و نهاية و يكون ذا عدد البتة فالجمهور لا يقولون بعدد أو ذي عدد هو أقل من ثلاثة إنه تام و لا أيضا إنه كل أو جميع فالثلاثة إنما صارت تامة لأن لها مبدأ و وسطا و نهاية و أما الاثنان فهو ناقص من جهة فقد أحد الأمور الثلاثة فيه فإن اعتبر فيه مبدأ و وسط فلم يكن ذا نهاية فيكون ناقصا من جهة فقدان ما هو نهاية له و إن اعتبر مبدأ و منتهى فلم يكن ذا وسط و إن كانا وسطا و نهاية فلم يكن ذا ابتداء فهو ناقص لفقد أحد من هذه الأمور التي يجب أن يكون في العدد التام ثم الواسطة يجوز أن يكون واحدا أو أكثر قليلا كان أو كثيرا لأن جملتها في أنها واسطة كشيء واحد و أما المبدأ و النهاية فلا يجوز أن يكون شيء منهما في كل عدد تام إلا واحدا لا غير فلا يكون لعدد واحد مبدءان و لا منتهيان إنما جاز ذلك لعددين مختلفين فكون العدد ذا مبدإ و نهاية و واسطة هو أقصى ما يمكن أن يقع في مراتب هذه الأمور و أتم ما يوجد فيه هذا الترتيب و لم يكن وجودها مجتمعا إلا في الثلاثة فكل عدد خاص فوق الاثنين له هذه التمامية من غير مزية لبعضها على بعض فإن تفاوتها في كون الواسطة في بعضها أكثر و في بعضها أقل ليس تفاوتا في شيء من هذه المعاني فإن كون الواسطة كثيرا