الحاشية على الإلهيات - الملا صدرا - الصفحة ٦٦ - الفصل الثالث أن المادة الجسمانيةلا يتعرى عن الصورة
إلا حيز واحد و الثاني يلزم ترجيحا من غير مرجح و يظهر هذا أشد ظهورا أن هيولى جسم خاص كالمدرة إذا تجردت لا يكون لها في ذاتها ما به ليست الصورة المدرية لا المطلقة و لا المخصوصة لتساوي نسبتها إلى جميع الصور فلو فرضت أنها ليست تلك الصورة فلا يجوز أن يحصل في جميع الأحياز التي للمدرة أن يحصل فيها بالقوة و لا في بعض من جملة حيز كليتها أو كلية حيزها الطبيعي لفقد المخصص لها بواحد من تلك الأبعاض فإن مقتضى الصورة المدرية يعني الأرضية ليس إلا الوقوع في جزء ما من الحيز الطبيعي لكلية الأرض و ذلك لا يوجب الوقوع في جزء معين منها فلا بد من اختصاص مادة المدرة بحيز معين من كلية الأرض أن يكون لها جهة مخصصة زائدة على طبيعة المدرية و ليست تلك الجهة إلا علاقة وضعية يوجب لها نسبة وضعية إلى ذلك الحيز إذ غيرها من الأسباب و المعاني و الصفات لا يخصص القابل بحيز دون حيز لتساوي نسبة الفاعل المفارق و نفس كونها هيولى و سائر الأوصاف الفاعلية و البواعث الغائية إلى الجميع فلا يتخصص بها صورة معينة شخصية و حيز معنى شخصي فلا تأثير بشيء إلا بمناسبة وضعية و هي لا يكون عند المفارقة فإذن قد علم أن أمثال هذه الحصولات بجزئيات طبيعة في جهاتها و أحيازها التي يكون أجزاء لخير عنصرها الكلي و جهته مما يحتاج إلى مخصص زائد على طبيعتها و ذلك المخصص إما سبب قاسر أوقعها في موضع يكون هذا الموضع من أحياز عنصرها أقرب المواضع منه فيتحرك إليه بحركة مستقيمة بالطبع أو حدوثها في الابتداء في ذلك الموضع الذي كان موضعا طبيعيا للصورة التي فسدت و حدثت هذه منها فتحركت أيضا على سمت مستقيم إلى هذا الموضع أو وقوع مادة حدوثها في هذا الموضع عند كونها مصورة بصورة أخرى بالقسر فإذا حدثت هذه بقيت في هذا الموضع ساكنة بالطبع أو وقعت بنقل ناقل نقلها إلى هذا الموضع من موضع آخر و هو أيضا أحياز عنصرها الكلي الشيخ قد أشبع الكلام في هذا المقام في الطبيعيات فإن قلت ما السبب بوقوع بعض من أجزاء الأرض في جهة و وقوع بعض آخر في جهة أخرى مع اشتراكها في الصورة الأرضية قلنا لا جزء بالفعل للأرض بحسب طبيعتها الأرضية لأنها متصلة واحدة واقعة بنفسها في حيز واحد لجهة السفل ما لم ينقسم بسبب من أسباب القسمة كالوهم أو القطع أو حلول الغرض فإذا انقسمت بسبب منها فذلك السبب هو الذي عين حيزه كما عين وجوده فعلم أن مادة المدرة بعد تجريدها و لبسها تارة أخرى صورة المدرية لو صح لا تخصص لها أصلا بجهة من الجهات إلا أن يكون لها مع التجريد مناسبة زائدة على أنها كانت مادة لمثلها سابقا و كذا على اكتسائها هذه الصورة ثانيا ليكون بتلك المناسبة قد اختصت بتلك الجهة و هي لا يكون إلا وضع ما و قد فرض أن لا وضع لها و أما على الاحتمال الأول و هو كون قبول الهيولى لمقدار معين بكماله لا دفعة بل على التدريج و الانبساط فالمحذور المذكور عائد بشقوقها و هي كونها بعد التكامل و الانبساط إما في جميع الأحياز أو لا في حيز أو في حيز مخصوص بلا سبب مخصص و الكل محال على أن كل منبسط في المقدار يلزمه لا محالة جهات و أطراف وضعية و المفروض أنها مما لا وضع له و لا حيز هذا خلف و منشأ هذه المفاسد التي لا محيص عن كلها هو فرضنا وجود الهيولى معراة عن الصورة الجسمية فعلم أن لا وجود لها بالفعل إلا متقوما وجودها بالصورة الجسمية ثم إنك قد قرع سمعك منا أن الذي لا حظ له في نفسه من الامتداد و قبول القسمة إلى أجزاء خارجية بالفعل أو موهومة موجودة بالقوة فلا يمكن أن يكون موضوعا للمقدار فالشيخ نبه على ذلك بقوله و كيف يكون ذات لا جزء لها بالفعل و لا بالقوة يقبل الكم فالهيولى عند التجرد لا يمكن أن يقبل المقدار لا دفعة و لا تدريجا فإذن لا بد أن يكون وجودها متقوما بصورة جسمية بأن يكون وجودها تابعا لوجود الجسمية حتى يكون الجسمية عنيت لها الوجود و لو عكس الأمر لكانت المحالات عائدة حيث يكون لها في نفسها ذات متقررة ثم يحلها الجسمية قوله و أيضا فإنها لا يخلو إما أن يكون وجودها وجود قابل فيكون دائما قابلة لشيء لا تعرى عن مقبول إلى آخره هذه سبيل آخر لامتناع تجرد الهيولى عن الجسمية و هو أن وجودها لا يخلو إما وجود قابل أو لا يكون وجود قابل و الثاني محال كما دل
عليه أحد مسالك إثبات الهيولى و هو برهان القوة و الفعل الدال على أن مادة الجسم وجودها وجود القابلية فتعين الأول فيكون الهيولى لازمة القبول لشيء ما لأن لوازم الماهية لا تنفك عنها فلا يمكن تجردها عن المقبولات و هذا هو التحقيق لكن الشيخ أراد زيادة الاستظهار فذكر أن في الاحتمال الأول يلزم أن يكون دائمة القبول فلا يصح تعريها عن مقبول لها و على الاحتمال الثاني و هو أن لا يكون وجودها وجود قابل فقط بل يكون بوجودها الخاص أمرا متحصلا ثم يعرضه أنه يقبل المقدار يلزم أن يكون المقدار الجسماني عرض له و صيره بحيث يتقدر بعد أن لم يكن ذا جزء لا بالفعل و لا بالقوة و ذي حيز بالفعل بعد أن لم يكن في حيز و لا في جهة من الجهات بل كان جوهرا متقوما في نفسه غير موصوف بشيء من هذه الصفات