الحاشية على الإلهيات - الملا صدرا - الصفحة ١٨٥ - في بيان أنه يجوزارتفاع النقيضين في المرتبة
و تقدم الجزء على الكل بحسب الملاحظة العقلية و التحليل العقلي فإذن الإنسان بما هو إنسان فقط لا نوع و لا شخص و كذا الحيوان بما هو حيوان لا كلي و لا جنس و لا نوع و لا شخص و لا واحد و لا كثير لكن يلزمه أن لا يخلو من أطراف هذه المتقابلات و عند إهماله يجوز الاجتماع فيه بين المتقابلين منها فالإنسان بالشرط المذكور أي بما هو إنسان فقط و إن كان موجودا في إنسان ما و في كل شخص منه لكن ليس هو بذلك الاعتبار إنسانا ما كما ليس هو بذلك الاعتبار هذا الشخص المعين إذ في كونه إنسانا ما زيادة على كونه إنسانا كما في كونه شخصا مخصوصا زيادة على إنسان ما ففيه زيادة على زيادة بل هو بذلك الاعتبار إنسان لا غير و كونه مع غير لا يمنع كونه نفسه فكون إنسان ما موجودا لا يمنع كون الإنسان بما هو إنسان موجودا لأنه إذا كان هذا الشخص و هو إنسان ما موجودا فالإنسان الذي جزؤه يكون موجودا كالبياض المقارن للجسم فإنه من حيث هو بياض موجود و إن كان غير ممكن الافتراق عما يقارنه إذ المقارنة لا ينافي المغايرة بل تؤكدها فالمقارن بشيء سواء كان صفة له أو موصوفا به موجود في نفسه سواء كان وجوده في نفسه هو بعينه وجوده مع غيره كالصفات و الأعراض فإن وجود الأعراض في أنفسها هو بعينه وجوداتها لموضوعاتها أو لم يكن كذلك بل عرض أن يكون مقارنا لغيره كالمثلث مع الزوايا و الأربعة مع الزوجية فإن وجود المثلث في نفسه شيء و كونه ذا الزوايا شيء آخر عارض لازم له هداية كشفية اعلم أن الموجود في الحقيقة من كل أمر كما مرت الإشارة إليه مرارا هو وجوده الخاص به و معنى موجودية المعاني و المفهومات هو كونها صادقة عليها محمولة لها و أن ثبوت كل شيء لشيء فرع وجوده في نفسه فمعنى كون الإنسان هو موجودا عند التحقيق عبارة عن كون بعض الموجودات محمولا عليه أنه إنسان بل الموضوع في الأحكام كلها هو الموجود و الوجود لا المعاني و المفهومات فمفهوم الإنسان لا يحمل عليه أنه إنسان و لا موجود فكما أن كون كذا موجودا أو واحدا لا يوجب أن يكون مفهوم الوجود أو مفهوم الوحدة موجودا فكذا كون زيد حيوانا أو إنسانا لا يوجب كون معنى الحيوان أو معنى الإنسان من حيث نفس معناه موجودا فإن مصداق موجودية الشيء و مطابقه و ملاكه هو وجوده لا نفسه مجردا عن الوجود و لا لا بشرط الوجود و قولهم ليست الماهية من حيث هي إلا هي معناه أنه يحكم عليها من تلك الحيثية بنفسها أو بذاتياتها و لا يحكم عليها بعرضياتها كيف و كل تصديق و حكم لا بد له من مفهوم تصوري و وجود له أو وجود صفة له فكيف يكون مع عزل النظر عن الوجود مصداقا للحكم فالحق أن مثل هذه المفهومات الكلية و الطبائع التصورية موجودات بمعنى اتحادها مع الهويات الوجودية و لهذا قالت العرفاء الأعيان الثابتة ما شمت رائحة الوجود أي ليست في ذاتها موجودة لا بالفعل و لا بالقوة و لا كما يقوله الشيخ إنها و إن لم يكن من حيث ذاتها موجودة و لا معدومة لكنها موجودة في الواقع بل معنى موجوديتها اتحادها بالموجودات فافهم هذا فإنه من مزالق أقدام الفحول و مضال الأفهام و العقول قوله و لقائل أن يقول إن الحيوان بما هو حيوان إلى آخره كلام هذا القائل لا يشبه أن يكون كلام رجل واحد فإنه مع كونه مشتملا على الأغلاط التي ألزمها عليه الشيخ يناقض بعضه بعضا فإنه اعترف بأن الحيوان بما هو حيوان موجود لكنه غير موجود لهذا الشخص بل مفارق للأشخاص و هذا تناقض فإنه إذا كان هذا الشخص حيوانا و كان الحيوان صادقا عليه و على غيره و ليس أحد الشخصين عين الآخر فكان كونه هذا الشخص غير كونه حيوانا ضرورة أن ما به الاشتراك غير ما به الافتراق فثبت أن الحيوان بما هو حيوان موجود في كل شخص فكيف تكون مفارقا محضا و القائلون بأن للماهيات وجودا مفارقا عن هذه الأشخاص لم يقولوا بأن معناها غير موجود في الأشخاص بل قالوا إنه كما أن لها وجودا في الأشخاص لها أيضا وجود آخر مفارق عن الأشخاص على ما سيحكي عنهم الشيخ في ثان السابعة لهذا الكتاب من أن في الوجود إنسانين في معنى الإنسانية إنسان محسوس فاسد و إنسان معقول مفارق أبدي و جعلوا لكل منهما وجودا إلى آخر ما حكاه عنهم و لذلك حكم الشيخ بركاكة كلامه و اعتذر عن إيراده و دفعه كأنه أنزل
مرتبة من أن يشتبه فساده على عاقل و قوله تشحط بالحاء المهملة تشحط المقتول بدمه اضطرب و تشحط في دمه تلطخ به و تمرغ فيه و فيه استعارة لطيفة حيث شبه حال من تصورت نفسه بمواد الصور الإدراكية الفاسدة التي لو صحت كانت بها حياة النفس بحال مقتول تلطخ ظاهر جسده بدمه الفاسد الذي به حياته لو لم يفسد قوله فنقول إن هذا الشك إلى آخره كلام هذا القائل مشتمل على وجوه من الغلط الوجه الأول زعم أن الموجود من الحيوان إذا كان حيوانا ما لم يكن الموجود حيوانا بما هو حيوان و منشأ هذا الغلط أنه جعل اختلاف الاعتبارات و الحيثيات مطلقا مستلزما للاختلاف في الوجود فإن كون الشيء هذا الحيوان و كونه حيوانا مطلقا أمور متغايرة بالاعتبار لكنها كلها واحدة في الوجود إذ لا منافاة بين كون واحد هذا الشخص و بين كونه حيوانا ما و كونه حيوانا و الوجه الثاني ظنه أن الحيوان من حيث هو حيوان يجب أن يكون إما عاما و إما خاصا بمعنى عدم الخلو أو الانفصال الحقيقي بل الحيوان له اعتبار لا يكون بحسبه عاما