الحاشية على الإلهيات - الملا صدرا - الصفحة ١٨ - الفصل الثالث في منفعته و مرتبته و اسمه
أن المهندس و الطبيعي ينظر أن في كرية الفلك أما المهندس فيقول إن الفلك كري لأن أقطاره من جميع الجوانب متساوية و محاذيات أجزائه لنقطة كذا متشابهة و مبدأ هذا البرهان من الحس و هو ليس بمبدإ حقيقي و أما الطبيعي فيقول إن الفلك ذو طبيعة بسيطة هي مبدأ حركته و سكونه على هيئته فهيئة سكونه غير مختلفة لأن القوة الواحدة في مادة واحدة تفعل هيئة متشابهة فنظر هذا من جهة طبيعة الفلك و هي علته المقومة و نظر ذلك من جهة كمية الفلك و هي معلومة المتقوم به و مبدئية المعلول إنما يعطي العلم لعلة ما و مبدئية العلة إنما يعطي العلم بالمعلول بخصوصه فلو فرض مطلوب واحد ثبت في أحد العلمين كالطبيعي ببرهان إن و في علم آخر كالإلهي ببرهان لم و أخذ المعلوم بالوجه الأول في بيان نفسه بالوجه الثاني لم يلزم منه الدور و لا مبدئية للشيء لنفسه على الحقيقة قوله فقد ارتفع إذن الشك فإن المبدأ للطبيعي إلخ لما ذكر الوجوه الثلاثة على الوجه الكلي العام شرع في أجزائها في ما هو بصدده من رفع الشك و دفع الإشكال فقوله فإن المبدأ للطبيعي يجوز أن يكون بينا بنفسه إشارة إلى الوجه الثاني و إنما قدمه هاهنا لأنه أخف مئونة لأنه مجرد منع و قوله و يجوز أن يكون بيانه إلى قوله بل له مقدمة أخرى إشارة إلى الوجه الأول و إنما قدمه هناك لأنه أقرب إلى الوقوع و أكثر في التحقيق و قوله و قد يجوز أن يكون العلم الطبيعي إلى قوله و خصوصا في العلل الغائية البعيدة إشارة إلى الوجه الأخير و اعلم أنه قد يتفق لمسألة واحدة برهانان لميان من علمين مختلفين أحدهما تحت الآخر كالطبيعي و الإلهي و ذلك إذا كانت للخط مبدءان قريب كالصورة و المادة و بعيد كالفاعل و الغاية أو يكون له غاية بعيدة فوق غايته القريبة مثاله أن العلم الطبيعي و الإلهي يشتركان في النظر في تشابه الحركة الأولى و ثباتها لكن الطبيعي يأخذ الوسط من الطبيعة التي لا ضد لها و المادة البسيطة التي لا اختلاف فيها و الفيلسوف يأخذ الوسط من العلة المفارقة التي هي الخير المحض و العقل المحيط و العلة الغائية الأولى التي هي الوجود المحض فالطبيعي يعطي برهانا لميا ما دامت المادة و الطبيعة موجودتين و الفيلسوف يعطي البرهان اللمي الدائم مطلقا و يعطي علة دوام المادة و الطبيعة التي لا ضد لها فيدوم مقتضاها و بالجملة فإذا أعطى البرهان من العلل المقارنة كان من العلم السافل و إن أعطى من العلل المفارقة كان من العلم الأعلى و العلل المقارنة هي الهيولى و الصورة و العلل المفارقة هي الفاعل و الغاية و قد يفيد العلم الأعلى مقدمات ثابتة في العلم الأسفل من مباد بينة بأنفسها أو بينة بالحس و التجربة فلا يكون البيان في العلم الأعلى دوريا كما سبق قوله فقد اتضح أنه إما أن يكون ما هو مبدأ بوجه ما إلى آخره لما ذكر الوجوه الثلاثة أولا على الوجه العام ثم ذكرها على الوجه الخاص الموافق لمقصوده كر عليها راجعا زيادة في التوضيح و التأكيد قوله و يجب أن يعلم أن في نفس الأمر طريقا إلى آخره لما ذكر مرتبة هذا العلم و حكم بأنه ينبغي أن يتعلم بعد العلوم الطبيعية و الرياضية و قد سبقت الإشارة إلى أنه مقدم بالذات و الشرف على سائر العلوم و أن هذا التأخر له من العلمين الآخرين أمر قد عرض له لا لذاته بل بحسب وضع لاحق أراد أن يشير إلى أنه يمكن أن يكون ترتيبه الوضعي على وفق ترتيبه الذاتي الطبيعي بأن يكون تعلمه سابقا على تعلم العلمين الآخرين المتعلقين بالأمور المحسوسة و ذلك لأن في نفس الأمر طريقا إلى حصول الغرض من هذا العلم و هو معرفة الأمور الكلية ابتداء من غير الاستعانة بعلم المحسوسات و الطبيعيات كما في إثبات المبدإ الأول فإنه و إن وقع من النظر في الأمور المحسوسة و ما يتعلق بها و تارة من النظر في الحركة و أنها موجودة و أن لكل ذي حركة محركا حتى لا ينتهي إلى محرك أول غير متحرك و تارة من النظر في هذا العالم المحسوس من جهة إمكانه و أن له مبدأ غير ممكن الوجود و تارة من النظر في النفس و أنها قد يخرج من حد العقل بالقوة إلى حد العقل بالفعل و أن مخرجها من القوة إلى الفعل لا بد أن يكون عقلا كاملا من كل وجه لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماء و الأرض و في جميع هذه الطرق استدلال بالأمور المحسوسة أو الطبيعة ففي ذلك المطلب طريق
آخر لا يستعان فيه من النظر في شيء مما يبحث فيه أحد هذين العلمين كما سيتضح لك في الفصل السادس من هذه المقالة و كذا وحدانيته تعالى و براءته عن صفات التكثر و التغير و كذا في إلهيته و مبدئيته للكل و نسبة الفعل إليه بالإبداع الذي هو أفضل ضروب الفاعلية و في تحقيق أول الصوادر منه و صدور الأشياء منه على الترتيب الأشرف فالأشرف كل ذلك من غير النظر إلى ما سواه من الممكنات فضلا عن المحسوسات و اعلم أن في كلامه إشارة إلى فوائد ثلاثة أحدها استحقاق هذا العلم للتقدم على سائر العلوم بالرتبة كما أن له تقدما بالذات و بالشرف و ثانيها تحقق هذه الطريقة في تحصيل الغرض من هذا العلم و ثالثها الإشارة إلى جواب آخر عن الشك المذكور و اعلم أن هذا الذي هو سلوك عن المبادي إلى الثواني هو طريقة قوم من الإلهيين الكاملين في القوة النظرية المؤيدين بالقوة القدسية الذين أشير إليهم في الكتاب الإلهي بقوله تعالى أَ وَ لَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ بعد ما وقعت الإشارة إلى الطريقة المشهورة للحكماء المتألهين في خلق السماوات و الأرض المتدبرين في الآفاق و الأنفس بقوله سبحانه