الحاشية على الإلهيات - الملا صدرا - الصفحة ١٩ - الفصل الثالث في منفعته و مرتبته و اسمه
سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَ فِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُ فهؤلاء القوم و هم الصديقون ينظرون بنور الله في جميع الأشياء و يستشهدون بالحق على ما سواه لا بغيره عليه فيبرهنون بالنظر في طبيعة الوجود و أنه واجب أو ممكن على إثبات واجب الوجود فهو البرهان على ذاته ثم النظر فيما يلزم الوجوب و الإمكان يبرهنون على وحدانيته و سائر صفاته فهو البرهان على كل شيء صدور أفعاله عنه واحدا بعد واحد فهو البرهان على كل شيء على الترتيب العقلي و المعلولي فبراهين هذا المسلك مأخوذة من مقدمات ضرورية دائمة على الإطلاق لا أنها ضروريات بحسب وقت ما و ما دامت ذات ما و لو لا عجز النفوس لأمكن الاكتفاء بهذا العلم على هذا المنهج عن سائر العلوم في معرفة كل شيء حتى الجزئيات و الزمانيات فإنه يمكن معرفتها من جهة العلم بأسبابها و عللها بأن ينظر في طبيعة الوجود و لوازمها و لوازم لوازمها و أقسامها و أقسام أقسامها و كذا إلى أن ينتهي في اللوازم و الأقسام إلى الجزئيات و المتغيرات فيعلم بأسبابها و أسباب أسبابها علما ثابتا غير زماني على الوجه الكلي من قبيل استثناء الشرطيات أنه متى كان كذا كان كذا فهذا هو العلم بالجزئيات على الوجه الكلي لكن النفوس البشرية قاصرة عن سلوك هذا المنهج في التفاصيل الجزئية و ضبط أقسامها و مبادي تقسيماتها و الإحاطة بأطرافها فيأخذ في استيناف موضوع آخر تحت مطلق الوجود كموضوع الطبيعيات أو الرياضيات أو الخلقيات و المنطقيات فيبحث عن أعراضه الذاتية و أحواله الكلية الشاملة لأفراده لا الكلية على الإطلاق بل الكلية المختصة به ثم ربما يعجز عن سلوك طريق اللم في معرفة جميع الأحوال المختصة بقسم واحد من أقسام الوجود المطلق كالجسم الطبيعي في علوم الطبيعيين و كالكم في علوم الرياضيين بل يحتاج في معرفة سائر الأحوال التي هي بعد الأحوال الكلية الشاملة لجميع الأفراد لذلك الموضوع إلى استيناف موضوع آخر تحت الموضوع الأعم كعلم الطب تحت الطبيعي الباحث عن الأحوال الكلية المختصة بالموضوع الذي هو بدن الإنسان من حيث يصح و يمرض و كعلم المناظر تحت الهندسة و ربما ينزل الباحث عن هذه المرتبة أيضا فيجعل الموضوع أخص من الأخص لعجزه عن النظر في أحواله الخاصة الغير الشاملة على الوجه الكلي الذي يرجع إلى حال ذلك الموضوع الجزئي الواقع إلى حال موضوع أخص من ذلك الموضوع الجزئي كعلم أمراض العين تحت علم الطب و كعلم الهالة و القوس تحت علم المناظر قوله و نعني بالطبيعة إلى آخره لفظ الطبيعة كما ذكره الشيخ في رسالة الحدود و الرسوم يطلق بالاشتراك على معان منها القوة التي هي مبدأ أول لحركة ما هي فيه و سكونه بالذات لا بالعرض و تلك القوة هي عين الصورة النوعية في بعض الأجسام البسيطة و المركبة و غيرها في ذوات النفوس من الأجسام لأن صورها النوعية نفوسها كما هو التحقيق دون طبائعها و منها مهية الشيء و صورته الذاتية و منها الحركة التي عن الطبيعة و الأطباء يطلقون لفظ الطبيعة على المزاج و على الحرارة الغريزية و على القوة النباتية و كلها غير المعنى المراد هاهنا لأنها عبارة عن مجموع الشيء الحادث حدوثا ذاتيا أو زمانيا عن المادة الجسمانية و الطبيعة بالمعنى الأول و الأعراض و قوله فقد قيل إلخ تأييد و استشهاد على صحة المراد قوله و معنى بعد الطبيعية إلى آخره للأشياء وجود في أنفسها و وجود بالقياس إلينا أما ترتيب وجودها في أنفسها فالأول هي المعقولات ثم المتخيلات و الموهومات ثم المحسوسات و أما ترتيب وجودها بالقياس إلينا فالأول المحسوسات ثم المتخيلات و الموهومات ثم المعقولات و لهذا قيل من فقد حسا فقد علما لأن وجودنا أيضا يبتدىء من المحسوسات فإذا تمت خلقتنا المحسوسات فاضت علينا من المبدإ الفياض أنوار الحياة و قوى النفس الحيوانية المدركة للجزئيات الخيالية و الوهمية و إذا تمت فينا الحيوانية على التدريج فاضت علينا أنوار العقل و قوى النفس العاقلة المدركة للكليات و المفارقات العقلية و المدرك لا يكون إلا من جنس المدرك و لما كان ترتيب وجود الإنسان لكونه واقعا في سلسلة العود إلى غاية الوجود على عكس ترتيب الأشياء الصادرة عن الحق الواقعة في سلسلة البدو من مبدإ الوجود فلا جرم كان حدوث علمه بالأشياء على نسق حدوث وجوده و العلم بالشيء ليس إلا وجوده للعالم فكان وجود المحسوسات و المتخيلات له قبل وجود المعقولات فلهذا يسمى علم بها علم ما بعد الطبيعة قوله و لقائل أن يقول الأمور الرياضية المختصة إلى آخره المراد من الرياضية المختصة ما لا يكون المادة المخصوصة معتبرة في قوام حقيقته كالفلك في علم الهيئة و الهواء
المكيفة بالنغمات و الإيقاعات الصوتية في الموسيقى و ذلك هو العدد المحض المبحوث عنه في علم الحساب و المقدار المحض المنظور فيه في علم الهندسة و منشأ السؤال و إن كان أمرا لفظيا هو سبب التسمية لكن لما ذكر أن موضوع هذا العلم هو الأمور التي لا يتعلق بالطبيعة و دل بحسب المفهوم على أن غيره من العلوم ليس كل مورد السؤال عليه بأن علمي الحساب و الهندسة أيضا مما يبحث عما لا تعلق لوجوده بالطبيعة أما الحساب فلأن موضوعه العدد و هو كسائر الأمور العامة التي لا تعلق لوجودها و لا لحدودها بالطبيعة و أما الهندسة فإن موضوعها المقادير المحضة المجردة عن المادة حدا و وهما و خارجا أما تجردها بحسب الماهية و الحد فظاهر و كل بحسب الوجود الوهمي و أما تجردها في الوجود الخارجي فكما عند بعضهم ممن يرى أن للتعليمات وجودا مفارقا عن عالم