الحاشية على الإلهيات - الملا صدرا - الصفحة ٢٤٧ - في بيان أنه لا يجوز أن يكون شىء واحد فاعلا و قابلا
يكون مشتركا لعدة أمور كالنار المحرقة لأشياء قابلة للاحتراق و الموضوع أيضا قد يكون بالذات و قد يكون بالعرض و هو أمران أحدهما ما يؤخذ القابل مع ضد المقبول و يجعل مادة للمقبول كما يقال الماء مادة للهواء و المادة بالحقيقة جزء الماء لا الماء و الثاني أن يؤخذ القابل مع وصف لا يتوقف القابلية عليه فيجعل معه قابلا كما يقال الطبيب يتعالج لأنه لا يتعالج من حيث هو طبيب بل من حيث هو مريض و الموضوع قد يكون قريبا و هو الذي لا يتوقف قابليته على انضمام أمر آخر إليه أو حدوث حالة أخرى له مثل الأعضاء لصورة البدن و البعيد ما لا يكون كذلك إما لأنه وحده ليس بقابل كالعضو الواحد لصورة البدن أو لأنه و إن لم يكن له شريك لكن لا بد من أحوال ليستفيد بها قبول تلك الصورة مثل الغذاء لصورة الخلط أو الخلط لصورة العضو أو الموضوع قد يكون كليا و قد يكون جزئيا على قياس ما مر في الفاعل الكلي و الفاعل الجزئي و كذا قد يكون بسيطا و قد يكون مركبا و البسيط كالهيولى للجسمية و المركب كالعقاقير للترياق و أيضا قد يكون بالقوة و قد يكون بالفعل مثل الحطب للاشتعال عند ما لم يشتعل بالفعل و القوة قد يكون قريبة كقوة الكاتب المتهيئ للكتابة عليها و قد تكون بعيدة كقوة النطفة لصورة الإنسان و الفرق بين كون الفاعل أو القابل بعيد أو بين كونها بالقوة و كذا بين كونهما قريبا و كونهما بالفعل مما لا يخفى على الذكي قوله و كل عنصر من حيث هو عنصر إلى آخره لما كان معنى العنصر هو الذي فيه قوة وجود الشيء و القوة هاهنا بمعنى الإمكان و الإمكان بما هو إمكان لا يقتضي حصول الشيء فلا بد للحصول و الوجود من أمر آخر يقتضي ذلك و المقتضي للوجود هو معنى الفاعل فلا يمكن أن يكون شيء واحد من حيث هو واحد عنصرا و فاعلا فكل ما يتصف بأمر زائد فلا بد أن يكون ذا فاعل غير ما هو القابل فإن قلت فما تقول في لوازم الماهية سيما الماهية البسيطة حيث يكون مقتضية بنفسها لما يتصف به من اللوازم فالفاعل و القابل هناك شيء واحد قلنا المراد من العنصر ما لا يجب حصول المقبول فيه حتى يكون النسبة بينهما بالإمكان فهو الذي لا يمكن أن يكون فاعلا و أما مطلق الموصوف بشيء فذلك لا ينافي كونه فاعلا و قابلا و لذلك قال الشيخ في تعليقاته إن عنه و فيه في البسيط شيء واحد فالمغالطة هاهنا نشأت من اشتراك لفظ القابل تارة بمعنى المستعد و تارة بمعنى الموصوف و ليكن هذا في ذكرك كي ينفعك في كثير من المواضع فإذا تقرر ذلك فاعلم أنه قد يصدر عن بعض الأجسام حركات و أفعال بنفسها لا لأجل سبب منفصل كحركة الحجر إلى تحت و حركة النار إلى فوق فظن في مثل هذه المواضع أن الشيء متحرك إليه بنفسه بمعنى أن ما هو المتحرك هو بعينه ما هو المحرك حركة واحدة و هذا ظن فاسد بين فساده في مواضع من كتاب الشفاء و غيره من أنه لا يجوز أن يكون شيء واحد فاعلا و قابلا لشيء واحد من جهة واحدة من غير أن يكون ذاته متجزية بأن يكون فيه جزء فاعل و جزء قابل و المراد من العناصر في قوله و ما كان من العناصر و القابل ما يشتمل الأفلاك و غيرها لا المعنى العرفي و هو الأربعة التي تحت الفلك إذ ما من جسم إلا و يوجد فيه سبب قابلي لما يحدث فيه إذ البرهان قائم على أن كل جسم قابل للحركة و أقلها الوضعية فكل جسم يصدق عليه أنه عنصر بالقياس إلى ما يحدث فيه ثم إذا تحركت الأجسام لا لمبدإ منفصل كان الفاعل و القابل جميعا غير خارج عنها و لا يمكن أن يكون المحرك فيها غير ما هو المتحرك فلا بد فيها تركيب من عنصر و صورة و اعلم أن البراهين في ذلك كثيرة أحدها ما مر من اختلاف جهتي القوة و الفعل و ثانيها أن الجسم لو كان متحركا لذاته امتنع سكونه لأن ما بالذات يبقى ببقاء الذات و اللازم باطل فكذا الملزوم و ثالثها لو تحرك المتحرك بذاته كانت أجزاء الحركة مجتمعة ثابتة لأن معلول الثابت ثابت و التالي باطل و إلا لم يكن الحركة حركة و رابعها لو كان متحركا لذاته فلا يخلو إما أن يكون له مكان أو وضع أو حالة من مقولة ما يقع الحركة فيها يلائمه أو لا يكون فعلى الأول لم يكن طالبا لذلك المكان أو ما يجري
مجراه فلا يكون متحركا إليه و على الثاني إذا كانت الحركة إلى ما يلائمه فإذا وصل إليه سكن فلا يكون الحركة ذاتية و الحاصل أن الحركة إن كانت ذاتية للمتحرك امتنع السكون و اللازم باطل بالبرهان و الوجدان و خامسها لو تحرك الجسم لأنه جسم لكان كل جسم متحركا لأن الجسمية كما سبق طبيعة نوعية و اللازم باطل و إن تحرك لأنه جسم مخصوص فالمحرك هو تلك الخصوصية و المتحرك غيرها لأن الجسم بما هو جسم قابل للحركة و اعترض على الوجوه الثلاثة بعد الأول بأنه ليست الطبيعة محركة لذاتها مع أنها لا تحرك أبدا و لا يبقى الأجزاء المفروضة و لا يجتمع و هي طالبة لمكان معين ينتهي إليه و يقع السكون فلم لا يجوز أن يكون الجسم محركا لذاته و متحركا بذاته و إن لم يلزم شيء مما ذكرتموه فلئن قلتم إن الطبيعة إنما يقتضي الحركة بشرط حالة منافية أو زوال حالة ملائمة فيتجدد أجزاء الحركة لأجل تجدد القرب و البعد من تلك الحالة الملائمة و السكون إنما يحصل بعد الوصول إلى الملائم و العلة إن كانت في إيجابها معلولها متوقفة على شرط لم يستمر ذلك الإيجاب لفوات ذلك الشرط