الحاشية على الإلهيات - الملا صدرا - الصفحة ٢٠٥ - الفصل الرابع في بيان كيفية دخول معان الخارجة عن الجنس
الثاني أن اختصاص هذا التعين بهذا المعين دون غيره إنما يكون بعد تعين هذا المعنى و تميزه عن غيره و إلا لم يكن اختصاصه بهذا التعين أولى من اختصاصه بغيره أو اختصاص غيره به فإذن يجب أن يكون له قبل هذا التعين تعين آخر فيلزم أن يكون متميزا قبل أن يكون متميزا و هو محال فالجواب أما عن الأول فمثل ما مضى في باب الوجود و هو أن التعين لو كان له ماهية كلية وراء كونه متعينا فحينئذ يحتاج في تعينه إلى تعين زائد و أما إذا كان متعينا بذاته لا أمر آخر ذلك الأمر متعين فليس يحتاج إلى تعين غير نفسه فلا يلزم التسلسل و أما عن الثاني فهو أن كل ما لا يكون تعينه من لوازم طبيعة حتى يكون نوعه منحصرا في شخصه فلا بد له من مادة متحصصة بأعراض معينة و يكون تشخص المادة بتلك الأعراض علة لتشخص ذلك الحادث و وجوده إذ من الممتنع أن يقترن بتلك المادة في ذلك الوقت و ذلك الوضع و التحيز فرد آخر من ذلك النوع حتى يلزم الإشكال و ليس أن ذلك الشيء يوجد و يوجد التعين ثم بعد حصول أحدهما أو كلاهما يتقارنان بل وجود ذلك الشيء في تلك المادة المخصوصة هو تعينه فالحق أن تشخص الشيء بمعنى كونه بحسب نفس تصوره ممتنع الشركة بين الكثرة إنما يكون بأمر زائد على الماهية لا في الوجود بل في التصور عند التحليل و يجب أن يكون ذلك الأمر متشخصا بنفسه و هويته لا بشيء خارج عنه لا عينا و لا تصورا ليكون الماهية بسببه ممتنعة الاشتراك في الخارج و ما ذلك إلا نفس وجود ذلك الشيء كما ذهب إليه الفارابي إذ كل ما هو غير الوجود من المفهومات و الماهيات فلا تأبى تصوره عن قبول الشركة و لو تخصص بألف تخصيص لأن انضمام المفهوم إلى المفهوم كم وقع لا ينتهي إلى الشخصية نعم ربما يؤدي إلى الامتياز الخارجي عن غيره من الأشياء لكن العقل مما يجوز كون المتصور فيه مشتركا و الامتياز عن الغير في الواقع غير التشخص الحقيقي كيف و الأول أمر إضافي بالقياس إلى المشاركات في أمر عام و الثاني أمر باعتبار الشيء في نفسه حتى إنه لو لم يكن له أمر مشارك في معنى لا يحتاج إلى تميز زائد لكان أيضا متميزا في نفسه و لا يبعد أن يكون التميز بالمعنى الأول مما يوجب الاستعداد لحصول التشخص الحقيقي كما مرت الإشارة إليه فإن النوع المادي المنتشر ما لم يتخصص مادية باستعداد خاص لواحد منه لا يفيض عليها وجود عن المبدإ الواجب و يمكن أن يحمل أكثر المذاهب الواقعة في التشخص على ما يرجع إلى ما حققناه فما نقل عن الحكماء أن تشخص الشيء بنحو العلم الإحساسي أو بالمشاهدة الحضورية يمكن إرجاعه إلى ما قلنا فإن كل وجود خاص لا يمكن معرفته إلا بالمشاهدة العينية أو ما يجري مجراها و كذا ما ذهب إليه صاحب المطارحات من أن المانع للشركة كون الشيء هوية عينية و ليست الهوية العينية إلا الوجود الخاص لكن هذا الشيخ العظيم كان كثير المبالغة في أن الوجود أمر اعتباري لا هوية له في الخارج و ليت شعري إذا كان التشخص عنده بنفس الهوية و لم يكن الهوية نفس الوجود و غير الوجود إما نفس الماهية المشتركة أو معنى عارض الماهية أو هي مع عارض أو عوارض من كم و كيف و وضع و زمان و غير ذلك و هو معترف بأن شيئا منها لا يمنع الشركة و أن مجموع الكليات أيضا كلي فهذه الهوية العينية أي شيء هي فلما ذا يوجب لمنع الشركة و كذا ما اختاره بعض أهل التدقيق من أن تشخص الشيء جزء تحليلي له إذ قد علمت أن الوجود كذلك لأنه متحد مع الماهية في العين غير متميز عنها إلا في الذهن و كذا ما قيل إن تشخص الشيء بالفاعل بمعنى أن الفاعل مقوم للتشخص لأنه مقوم للوجود الذي هو عين التشخص فمقوم الوجود يكون مقوما للتشخص أيضا لكن الكلام فيما به المشخصية لا في مفيده و جاعله و قريب من هذا ما هو مختار لبعضهم أن تشخص الأشياء بارتباطها إلى واجب الوجود و قد علمت أن الماهيات إنما يرتبط بالجاعل الحق لأجل وجوداتها التي هي في الحقيقة أشعة و إشراقات للوجود القيوم و أما ما قال بعضهم من أهل العلم إن التشخص بسبب المادة إذ شيء من الماهية و مقومها و لوازمها مما لا يوجب الامتياز و العارض المفارق يفتقر إلى المادة فيجب أن يحمل التشخص في كلامه على التميز الذي هو شرط حدوث التشخص عن الفاعل كما مر فإن الهيولى
حالها في التشخص و منع الشركة بحسب التصور كحال غيرها بل النوع المتكثر الأفراد ما لم يتخصص المادة الحاملة لأفراده بوضع خاص و زمان خاص لا يوجد فرد منه دون غيره و هكذا القول فيما ذهب إليه بهمنيار مطابقا لما وجد في كلام الشيخ من التعليقات و غيرها من أن التشخص بسبب أحوال المادة من الوضع و الخير فإن المقصود المميز الفارق لا ما يجعل الطبيعة شخصيته و أيضا هذه الأحوال من لوازم التشخص و أماراته فالتعبير عن الشيء بلازمه غير بعيد كما يعبر عن الفصول بلوازمها و ما وجد أيضا في كلام الشيخ من أنه ليس شيء من المقولات متشخص بذاته إلا الوضع مع وحدة الزمان منشأة أن الوضع في ذوات الأوضاع بالذات هو نحو وجودها كما أن المعقولية في الصور المجردة هي نحو وجودها فوجودها في ذاتها و كونها بحيث يكون لأجزائها بعضها إلى بعض و إلى الأمور الخارجية نسبة شيء واحد كما أن وجود الصورة الإدراكية و مدركيتها و وجودها للمدرك لها أمر واحد