موسوعة الامام الخوئي - الخوئي، السيد أبوالقاسم - الصفحة ٣٨ - تعيين الواضع
عنه هو معنى الوضع، كان الوضع بإلهام إلهََي أم لم يكن.
وأمّا الأمر الخامس: وهو استناده فيما ذكره من أنّ
اللََّه (تبارك وتعالى) هو الواضع الحكيم، فلو تمّ فانّما يتم لو كان وضع
الألفاظ لمعانيها دفعياً وفي زمان واحد، إلّاأنّ الأمر ليس كذلك، فان سعة
دائرة الوضع وضيقها تتبع سعة دائرة الغرض وضيقها، ومن الواضح أنّ الغرض منه
ليس إلّاأن يتفاهم بها وقت الحاجة وتبرز بها المعاني التي تختلج في النفوس
لئلّا يختل نظام حياتنا المادية والمعنوية، ومن الظاهر أنّ كمّية الغرض
الداعي إليه تختلف سعة وضيقاً بمرور الأيام والعصور، ففي العصر الأوّل -
وهو عصر آدم (عليه السلام) - كانت الحاجة إلى وضع ألفاظ قليلة بازاء معان
كذلك، لقلّة الحوائج في ذلك العصر، وعدم اقتضائها أزيد من ذلك، ثمّ ازدادت
الحوائج مرّة بعد اُخرى وقرناً بعد آخر بل وقتاً بعد وقت، فزيد في الوضع
كذلك.
وعليه فيتمكن جماعة بل واحد من أهل كل لغة على وضع ألفاظها بازاء معانيها
في أيّ عصر وزمن، فانّ سعة الوضع وضيقه تابعان لمقدار حاجة الناس إلى
التعبير عن مقاصدهم سعة وضيقاً، ولما كان مرور الزمن موجباً لاتساع حاجاتهم
وازديادها، كان من الطبيعي أن يزداد الوضع ويتّسع.
أمّا الذين يقومون بعملية الوضع فهم أهل تلك اللغة في كل عصر، من دون فرق
بين أن يكون الواضع واحداً منهم أو جماعةً، وذلك أمر ممكن لهم، فانّ
المعاني الحادثة التي يبتلى بها في ذلك العصر إلى التعبير عنها ليست
بالمقدار الذي يعجز عنه جماعة من أهل ذلك العصر أو يعجز عنه واحد منهم،
فانّها محدودة بحد خاص.
وقد تلخّص من ذلك أمران:
الأوّل: أنّ أهل اللغة ليسوا بحاجة إلى وضع ألفاظها للمعاني التي تدور عليها