موسوعة الامام الخوئي - الخوئي، السيد أبوالقاسم - الصفحة ٤٢٩ - مسألة الأمر بين الأمرين
عن مبدئها على ضوء الاختيار وإعمال القدرة .
(٥) نظريّة الإماميّة
مسألة الأمر بين الأمرين
إنّ طائفة الإمامية بعد رفض نظريّة الأشاعرة في أفعال العباد ونقدها صريحاً، ورفض نظريّة المعتزلة فيها ونقدها كذلك، اختارت نظريّة ثالثة فيها وهي: الأمر بين الأمرين، وهي نظريّة وسطى لا إفراط فيها ولا تفريط، وقد أرشدت الطائفة إلى هذه النظريّة الروايات الواردة في هذا الموضوع من الأئمة الأطهار (عليهم السلام) {١}الدالّة على بطلان الجبر والتفويض من ناحية، وعلى إثبات{١} وإليكم نصّ الروايات:
منها: صحيحة يونس بن عبدالرّحمََن عن غير واحد عن أبي جعفر وأبي عبداللََّه
(عليه السلام) «قالا: إنّ اللََّه أرحم بخلقه من أن يجبر خلقه على الذنوب
ثمّ يعذّبهم عليها، واللََّه أعزّ من أن يريد أمراً فلا يكون، قال: فسئلا
هل بين الجبر والقدر منزلة ثالثة ؟ قالا: نعم، أوسع ممّا بين السماء
والأرض» [ اُصول الكافي ١: ١٥٩ ح ٩ ].
ومنها: صحيحته الاُخرى عن الصادق (عليه السلام) قال: «قال له رجل: جعلت
فداك أجبر اللََّه العباد على المعاصي ؟ قال: اللََّه أعدل من أن يجبرهم
على المعاصي ثمّ يعذّبهم عليها، فقال له: جعلت فداك ففوّض اللََّه إلى
العباد ؟ قال فقال: لو فوّض إليهم لم يحصرهم بالأمر والنهي، فقال له: جعلت
فداك فبينهما منزلة ؟ قال فقال: نعم، أوسع ممّا بين السماء والأرض» [
المصدر السابق ح ١١ ].
ومنها: صحيحة هشام وغيره قالوا: «قال أبو عبداللََّه الصادق (عليه السلام):
إنّا لا نقول جبراً ولا تفويضاً» [ بحار الأنوار ٥: ٤ ح ١ ].
ومنها: رواية حريز عن الصادق (عليه السلام) «قال: الناس في القدر على ثلاثة
أوجه: رجل زعم أنّ اللََّه (عزّ وجلّ) أجبر الناس على المعاصي، فهذا قد
ظلم اللََّه (عزّ وجلّ) في حكمه وهو كافر. ورجل يزعم أنّ الأمر مفوّض
إليهم، فهذا وهن اللََّه في سلطانه فهو كافر. ورجل يقول: إنّ اللََّه (عزّ
وجلّ) كلّف العباد ما يطيقون ولم يكلّفهم ما لا يطيقون، فإذا أحسن حمد
اللََّه وإذا أساء استغفر اللََّه، فهذا مسلم بالغ» [ المصدر السابق ص٩ ح
١٤ ].
ومنها: رواية صالح عن بعض أصحابه عن الصادق (عليه السلام) قال: «سئل عن
الجبر والقدر، فقال: لا جبر ولا قدر ولكن منزلة بينهما فيها الحق التي
بينهما، لا يعلمها إلّاالعالم أو من علّمها إيّاه العالم» [ الكافي ١: ١٥٩ ح
١٠ ].
ومنها: مرسلة محمّد بن يحيى عن الصادق (عليه السلام) «قال: لا جبر ولاتفويض، ولكن أمر بين أمرين» [ المصدر السابق ح ١٣ ].
ومنها: رواية حفص بن قرط عن الصادق (عليه السلام) «قال قال رسول اللََّه
(صلّى اللََّه عليه وآله): من زعم أنّ اللََّه يأمر بالسوء والفحشاء فقد
كذب على اللََّه، ومن زعم أنّ الخير والشر بغير مشيئة اللََّه فقد أخرج
اللََّه من سلطانه، ومن زعم أنّ المعاصي بغير قوّة اللََّه فقد كذب على
اللََّه، ومن كذب على اللََّه أدخله النار» [ المصدر السابق ح٦ ].
ومنها: رواية مهزم قال: «قال أبو عبداللََّه (عليه السلام) أخبرني عمّا
اختلف فيه من خلّفت من موالينا، قال فقلت: في الجبر أو التفويض ؟ قال:
فاسألني، قلت: أجبر اللََّه العباد على المعاصي ؟ قال: اللََّه أقهر لهم من
ذلك، قال قلت: ففوّض إليهم ؟ قال: اللََّه أقدر عليهم من ذلك، قال قلت:
فأيّ شيء هذا أصلحك اللََّه ؟ قال: فقلّب يده مرّتين أو ثلاثاً ثمّ قال:
لو أجبتك فيه لكفرت» [ بحار الأنوار ٥: ٥٣ ح ٨٩ ].
ومنها: مرسلة أبي طالب القمي عن أبي عبداللََّه (عليه السلام) قال قلت:
«أجبر اللََّه العباد على المعاصي ؟ قال: لا، قلت: ففوّض إليهم الأمر ؟ قال
قال: لا، قال قلت: فماذا ؟ قال: لطف من ربّك بين ذلك» [ اُصول الكافي ١:
١٥٩ ح ٨ ].
ومنها: رواية الوشاء عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) قال: «سألته فقلت:
اللََّه فوّض الأمر إلى العباد ؟ قال: اللََّه أعزّ من ذلك، قلت: فجبرهم
على المعاصي ؟ قال: اللََّه أعدل وأحكم من ذلك، قال: ثمّ قال: قال اللََّه
يا ابن آدم أنا أولى بحسناتك منك وأنت أولى بسيِّئاتك منّي عملت المعاصي
بقوتي التي جعلتها فيك» [ المصدر السابق ح ٣ ].
ومنها: رواية هشام بن سالم عن الصادق (عليه السلام) «قال: اللََّه أكرم من
أن يكلف الناس ما لا يطيقون، واللََّه أعزّ من أن يكون في سلطانه ما لا
يريد» [ المصدر السابق ح ١٤ ].
ومنها: ما روي عن الصادق جعفر بن محمّد (عليه السلام) أ نّه «قال: لا جبر
ولا تفويض بل أمر بين أمرين» إلخ [ بحار الأنوار ٥: ١٧ ح ٢٨ نقلاً عن
الاعتقادات للشيخ الصدوق (ضمن مصنفات الشيخ المفيد): ٢٩ ].
ومنها: رواية عن أبي حمزة الثمالي أ نّه قال «قال أبو جعفر (عليه السلام)
للحسن البصري: إيّاك أن تقول بالتفويض، فانّ اللََّه (عزّ وجلّ) لم يفوّض
الأمر إلى خلقه وهناً منه وضعفاً، ولا أجبرهم على معاصيه ظلماً» [ المصدر
السابق ح ٢٦ ].
ومنها: رواية المفضل عن أبي عبداللََّه (عليه السلام) «قال: لا جبر ولا
تفويض ولكن أمر بين أمرين» إلخ [ المصدر السابق ح ٢٧ ] وغيرها من الروايات
الواردة في هذا الموضوع، وقد بلغت تلك الروايات من الكثرة بحدّ التواتر.
فهذه الروايات المتواترة معنىً وإجمالاً الواضحة الدلالة على بطلان نظريتي
الجبر والتفويض من ناحية، وعلى إثبات نظريّة الأمر بين الأمرين من ناحية
اُخرى، بوحدتها كافية لاثبات المطلوب فضلاً عمّا سلف من إقامة البرهان
العقلي على بطلان كلتا النظريتين. وعلى هذا الأساس فكلّ ما يكون بظاهره
مخالفاً لتلك الروايات فلا بدّ من طرحه بملاك أ نّه مخالف للسنّة القطعية
وللدليل العلمي العقلي.
نعم، قد فسّر الأمر بين الأمرين بتفسيرات اُخر وقد تعرّضنا لتلك التفسيرات
في ضمن رسالة مستقلّة، وناقشناها بصورة موسعة. كما تعرّضنا لنظريّة
الفلاسفة فيها بكافّة اُسسها التي تقوم نظريّتهم على تلك الاُسس ونقدها
بشكل موسع.