سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٢٤١ - الباب الثامن في أمره- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- أن يصب عليه الماء لتقوى نفسه فيعهد إلى الناس
من آبار شتى حتّى أخرج إلى النّاس فأعهد إليهم» قالت: فأقعدناه في مخضب لحفصة فصببنا عليه الماء صبّا أو شننا عليه الماء شنّا فوجد راحة فخرج عاصبا رأسه و صعد المنبر فحمد اللّه و أثنى عليه و استغفر للشهداء من أصحاب أحد و دعا لهم ثم قال: «أمّا بعد فإنّ الأنصار عيبتي التي أويت إليها، فأكرموا كريمهم و تجاوزوا عن مسيئهم، إلا في حدّ ألا إن عبدا من عباد اللّه قد خيّره اللّه بين الدّنيا و بين ما عند اللّه فاختار ما عند اللّه» ففهمها أبو بكر و عرف أنّ نفسه يريد، فبكى و قال: بل نفديك بأنفسنا و أبنائنا فقال النبي- (صلّى اللّه عليه و سلّم)-: «على رسلك يا أبا بكر سدّوا هذه الأبواب الشوارع في المسجد إلا باب أبي بكر فإني لا أعلم امرءا أفضل عندي يدا في الصحابة من أبي بكر» و في رواية: «لو كنت متخذا من العباد خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا و لكن صحبة و إخاء و إيمان حتى يجمع اللّه بيننا عنده».
و روى البخاري و البيهقي عن ابن عباس- رضي اللّه تعالى عنهما- قال: خرج رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- في مرضه الذي مات فيه عاصبا رأسه بعصابة دسماء ملتحفا بملحفة على منكبيه، فصعد المنبر، فحمد اللّه تعالى و أثنى عليه ثم قال: «إنه ليس من الناس أحد آمنّ عليّ بنفسه و ماله من أبي بكر، و لو كنت متخذا من الناس خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا و لكن خلّة الإسلام أفضل سدّوا عنّي كل خوخة في المسجد غير خوخة أبي بكر».
و روى عن عروة بن الزبير- رضي اللّه تعالى عنه- أن رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- استبطأ الناس في بعث أسامة بن زيد و هو في وجعه، فخرج عاصبا رأسه حتى جلس على المنبر و قد كان الناس قالوا في إمرة أسامة: أمّر غلاما حدثا على جلّة المهاجرين و الأنصار فحمد اللّه و أثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: أيّها النّاس انفذوا بعث أسامة فلعمري لئن قلتم في إمارته فقد قلتم في إمارة أبيه من قبله و إنّه لخليق بالإمارة و إن كان أبوه لخليق الإمارة ثم نزل رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- و انكمش الناس في جهازهم و استقر برسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- وجعه، فخرج و خرج جيشه معه حتى تدلوا الجرف من المدينة على فرسخ، فضرب به عسكره و تتامّ إليه الناس، و ثقل رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)-، فقام أسامة و الناس ينتظرون ما اللّه قاض في رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)-.
و روى عن أمّ سلمة- رضي اللّه تعالى عنها- قالت: خرج رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- عاصبا رأسه بخرقة فلما استوى على المنبر تحدق الناس بالمنبر و استنكفوا حوله فقال: و الذي نفسي بيده إني لقائم على الحوض الساعة ثم تشهد، فلما قضى تشهّده كان أوّل ما تكلم به أن استغفر للشهداء الذين قتلوا بأحد ثمّ قال: إن عبدا من عباد الله خيّر بين الدنيا و بين ما عند الله فاختار العبد ما عند اللّه، فبكى أبو بكر فعجبنا لبكائه، و قال: بأبي أنت و أمّي نفديك بآبائنا و أمهاتنا و أنفسنا و أموالنا، فكان رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- هو المخيّر، و كان أبو بكر أعلمنا