سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٤٤ - تنبيهات
و لكنها ضمير الأمر و الحديث فكأنه قال: إن الحديث من كل ما يخلق اللّه و يختار، فالأعمال إذا كلها من خلق اللّه تعالى، و قد اختار منها ما شاء قال اللّه تعالى: يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَ يَخْتارُ [القصص ٦٨].
قوله: «قد سماه خيرته من الأعمال» يعني الذكر و تلاوة القرآن.
و قوله: و المصطفى من عباده أي و سمى المصطفى من عباده
بقوله تعالى: اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَ مِنَ النَّاسِ [الحج ٧٥] و يجوز أن يكون معناه المصطفى من عباده، أي العمل الذي اصطفاه منهم و اختاره من أعمالهم، فلا تكون «من» على هذا للتبعيض، إنما تكون لابتداء الغاية، لأنه عمل استخرجه منهم بتوفيقه إياهم، و التأويل الأول أقرب مأخذا، و اللّه تعالى أعلم بما أراد رسوله- (صلّى اللّه عليه و سلّم)-.
و قوله: في أول الخطبة: «إن الحمد للّه أحمده»
هكذا يرفع الدال من قوله الحمد للّه وجدته مقيدا مصححا عليه، و إعرابه ليس على الحكاية و لكنه على إضمار الأمر كأنه قال: إن الأمر الذي أذكر و حذف الهاء العائدة على الأمر كي لا يقدم [١] شيئا في اللفظ من الأسماء على قوله: الحمد للّه و ليس تقديم «إنّ» في اللفظ من باب تقديم الأسماء، لأنها حرف مؤكد لما بعده مع ما في اللفظ من التحري للفظ القرآن و التيمن به.
الثّاني: اختلف في تسمية اليوم بذلك مع الاتفاق على أنه كان يسمى في الجاهلية العروبة- بفتح المهملة و ضم الراء و بالموحدة-.
قلت: قال ابن النحاس في كتاب «صناعة الكتاب»: لا يعرفه أهل اللغة إلا بالألف و اللام إلا شاذا، و معناه اليوم البين المعظم من أعرب «إذا» بيّن [...] فقيل: سمي بذلك لأن كمال الخلائق جمع فيه، ذكره أبو حذيفة النجاري، في «المبتدأ» عن ابن عباس و هو ضعيف.
و قيل: لأنه خلق آدم جمع فيه.
روى الإمام أحمد و النسائي و ابن خزيمة و ابن أبي حاتم عن سليمان- رضي اللّه تعالى عنه- [قال: قال لي رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)-: أ تدري ما يوم الجمعة؟ قلت: اللّه و رسوله أعلم قالها ثلاث مرات ثم قال في الثلاثة: هو اليوم الذي جمع فيه أباكم آدم قال: لكني أدري ما يوم الجمعة لا يتطهر الرجل فيحسن طهوره ثم يأتي الجمعة فينصت حتى يقضي الإمام إلا كان كفارة له ما بينه و بين الجمعة المقبلة ما اجتنبت المقتلة
[٢].
[١] في أ: كي يقدم.
[٢] أحمد ٥/ ٤٣٩، و الحاكم ١/ ٢٧٧، السيوطي في الدر ٦/ ٢١٦، ابن كثير في التفسير ٢/ ٢٣٦، الكنز (٢١١٩٦).