سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٢٩٩ - الباب الثامن و العشرون في بلوغ هذا الخطب الجسيم إلى الصديق الكريم و ثبوته في هذا الأمر
عبيد وراء أبي بكر إلى السّنح فأعلمه بموت رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- فلما بلغ أبو بكر الخبر و هو بالسّنح أقبل على فرس حتى نزل على باب رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- و عمر يكلم الناس فلم يلتفت إلى شيء حتى دخل على رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- في بيت عائشة و رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- مسجّى في ناحية البيت عليه برد حبرة.
زاد أبو الربيع و أبو اليمن بن عساكر في «إتحاف الزائر» و عيناه تهملان و زفراته تتردّد في صدره و عصصه ترتفع كقطع الحرة، و هو في ذلك جلد العقل و المقالة حتى دخل على رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- و كشف عن وجهه و مسح و قبّل بين عينيه، و جعل يبكي و يقول: بأبي أنت و أمّي طبت حيّا و ميتا، و انقطع لموتك ما لم ينقطع لموت أحد من الأنبياء، فعظمت عن الصفة، و جللت عن البكاء و حصصت حتى صرت مسلاة و عممت حتى صرت فينا سواء، و لو لا أنّ موتك كان اختبارا لجدنا لموتك بالنّفوس، و لو لا أنّك نهيت عن البكاء عليك ما الشئون، فأما ما لا نستطيع تقيه ففيه كمد و إدناف يتخالفان لا يبرحان، اللهم فأبلغه عنا، اذكرنا يا محمد عند ربك و لتكن من جاء لك فلو لا ما خلقت من السكينة لم تعم لما خلقت من الوحشة، اللهم أبلغ نبيك عنا و احفظه ميتا ثم صرخ. انتهى.
و في حديث عائشة عند ابن سعد و أبي يعلى و أحمد برجال ثقات أن أبا بكر لما رأى رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- قال: إنا للّه و إنا إليه راجعون، مات رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- ثم تحول من قبل رأسه فقال: وا نبيّاه، ثم حدر فمه و قبل وجهه ثم [قال: وا صفيّاه ثم] [١] رفع رأسه و حدر فمه و قبّل جبهته و قال: وا خليلاه، مات رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- و في حديث عائشة عند أبي يعلى و أحمد فقال: كيف ترين؟ قالت: غشي عليه فدنا منه فكشف عن وجهه فقال: يا غشياه ما أكون هذا الغشي، ثم كشف عن وجهه فعرف الموت فقال: إنّا للّه و إنّا إليه راجعون ثم بكى قالت عائشة: فقلت في سبيل اللّه انقطاع الوحي و دخول جبريل بيتي، ثم وضع يديه على صدغيه و وضع فاه على جبهته فبكى حتى سالت دموعه على وجه رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- و في لفظ ثم أقبل عليه فقبّله ثم قال: بأبي و أمي أما الموتة التي كتب اللّه عليك فقد متّها فلن يصيبك بعدها موتة أبدا، ثم ردّ البرد على وجه رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- ثم خرج إلى الناس.
زاد أبو الربيع: و هم في خطبهم غمراتهم و شديد سكراتهم، ثم خرج عمر يكلّم الناس فقال: على رسلك يا عمر أنصت ثلاث مرّات فأبى إلا أن يتكلم، فلما رآه أبو بكر لا ينصت أقبل على الناس، فلما سمع الناس كلامه أقبلوا عليه و تركوا عمر، و صعد المنبر فحمد اللّه و أثنى عليه.
[١] ما بين المعكوفين سقط في ب.