سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ١٥ - الباب الخامس في حكم أفعاله الدنيوية- (صلّى اللّه عليه و سلّم)
الحديث، و مع ثباتها فلا اعتراض بها، إذ يقع «لهم» بمعنى «عليهم»، قال اللّه تعالى: أُولئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ. و قال: وَ إِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها.
فعلى هذا اشترطي عليهم الولاء لك، و يكون قيام النبيّ (صلّى اللّه عليه و سلّم) و وعظه لما سلف من شرط الولاء لأنفسهم قبل ذلك.
و وجه ثان:
أنّ قوله (صلّى اللّه عليه و سلّم): اشترطي لهم الولاء،
ليس على معنى الأمر، لكن على معنى التسوية و الإعلام بأنّ شرطه لهم لا ينفعهم بعد بيان النبيّ (صلّى اللّه عليه و سلّم) لهم قبل أنّ الولاء لمن أعتق، فكأنه قال: اشترطي أو لا تشترطي، فإنه شرط غير نافع.
و إلى هذا ذهب الدّاوديّ و غيره، و توبيخ النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و تقريعهم على ذلك يدلّ على علمهم به قبل هذا.
الوجه الثالث: أنّ معنى قوله: اشترطى لهم الولاء، أي أظهري لهم حكمه، و بيّني سنّته بأنّ الولاء إنما هو لمن أعتق. ثم بعد هذا قام هو (صلّى اللّه عليه و سلّم) مبيّنا ذلك و موبّخا على مخالفة ما تقدّم منه فيه.
فإن قيل: فما معنى فعل يوسف (عليه السلام) بأخيه، إذ جعل السّقاية في رحله و أخذه باسم سرقتها، و ما جرى على إخوته في ذلك، و قوله تعالى: إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ، و لم يسرقوا.
فاعلم- أكرمك اللّه- أنّ الآية تدلّ على أنّ فعل يوسف كان عن أمر اللّه، لقوله تعالى:
كَذلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ، ما كانَ لِيَأْخُذَ أَخاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ وَ فَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ.
فإذا كان كذلك فلا اعتراض به، كان فيه ما فيه.
و أيضا فإنّ يوسف كان أعلم أخاه بأني أنا أخوك فلا تبتئس، فكان ما جرى عليه بعد هذا من وفقه و رغبته، و على يقين من عقبى الخير له به، و إزاحة السّوء و المضرّة عنه بذلك.
و أما قوله: أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ، فليس من قول يوسف. فيلزم عليه جواب لحلّ شبهه.
و لعلّ قائله إن حسّن له التأويل كائنا من كان ظنّ على صورة الحال ذلك.
و قد قيل: قال ذلك لفعلهم قبل بيوسف و بيعهم له. و قيل غير هذا. و لا يلزم أن نقوّل الأنبياء ما لم يأت أنهم قالوه، حتى يطلب الخلاص منه، و لا يلزم الاعتذار عن زلّات غيرهم.